التاريخ في لحظة حرجة..!!
من نعم الإنترنت _ رغم إزعاجاته العديدة _ أنه يتيح لك أن تتحاور يومياً مع عشرات من الأصدقاء، من كل مكان في القرية الكونية “الصغيرة”.. وها هو أحد أصدقائي يفتح عليّ خط الدردشة _ بعد السلام والكلام _ ليصب جام غضبه وسخطه على بعض المسلسلات “السورية” في هذا الموسم الرمضاني، تلك التي تدعي أنها تعالج أو “تحاكي” ما يجري على الأرض السورية من زلزال، وطوفان، وبراكين متفجرة، ثم ليسألني بخبث “الممتحِن” البريء:
– هل تتابع المعارك الكلامية الناشبة بين المعجبين بهذه الأعمال، والرافضين لها، وما وصلت إليه من لغة مبتذلة، وشتائم “سوقية” لو دارت على أرض الواقع، لتوجت باشتباك الأيدي، وتناطح الرؤوس.. هذا في حال عدم توفر الأسلحة بألوانها المتعددة..!!
– لقد تابعت بعضاً منها لبعض الوقت.. ثم عزفت نفسي عنها للأسباب التي ذكرتها، وهي مما يؤسف له حقاً..!! فكأننا لم نبلغ _ بعد _ سن الرشد “السياسي” و”الأدبي” و”الفني”..!! ولهذا تغيب عن فضاءاتنا ثقافة الحوار.. وتترسخ في كل يوم جهالة التعصب، والحقد، والافتراء المتبادل.
– لا تكمل.. فقد شكني دبوس لئيم مزروع في مكان ما من رأسي.. لينبهني إلى أنك قد تصل إلى النيل مني، لأنني أبديت لك سخطي وغضبي على تلك الأعمال.. ولكن.. لا تنس أن سخطي إنما هو سخط المحب لهذه الدراما.. وغضبي ليس سوى غضب الغيور على “منابع” الإبداع من أن تلوث بنفايات التعجل، وزعاف “الدعاية” الإعلامية الآنية..!!
– اطمئن يا صاحبي.. غير أنك في دفاعك عن نفسك.. لمست اللحم الحيَّ من جسد هذه المشكلة المستعصية التي لم نجد لها حلاً حتى الآن.. أعني مشكلة “ثنائية” الانتماء التي ترزح تحت ثقلها الدراما التلفزيونية، منذ أن فتحت عينيها على الدنيا..!! لقد كان قدرها أن تولد لأبوين من عالمين مختلفين.. وكل منهما يشدها إليه بقوة جنونية..!! أحدهما الإعلام، وما أدراك ما الإعلام..!! وما وراء الإعلام من صراعات ومكائد، وأهداف سافرة أو خبيئة، بريئة أو خبيثة..!! والثاني هو الفن ومتطلباته الإبداعية، وعلى رأسها مطلب الحرية.. حرية في الرؤية.. حرية في الفهم.. حرية في التجسيد.. وحرية في المبتدأ والمآل..!!
– نعم.. ولكن.. دعنا من الإيغال في الأبعاد النظرية لهذه المشكلة.. ولنراقب ظلالها المتراقصة على الأرض.. ثم لنوجه العدسة إلى الجانب الإبداعي البحت.. أعني الجانب “المهني” في تلك الظلال، ولنتأمل بعضها بلقطة قريبة..
..
– اللقطة صارت جاهزة.. وأنا معك..
– إذن.. أجبني: هل من جدوى حقيقية لمثل هذه الأعمال “الآنية”، يمكن أن يخرج بها المشاهدون.؟ أو يقطفها صانعو هذه الأعمال أنفسهم.؟
– لا أنكر أنها مسلية.. وأنها “مشوقة”.. وأنها “مضحكة” _ أيضاً _ فيما تقدمه من “تصورات” افتراضية لـ “حقيقة” ما يجري على الأرض.. هنا أو هناك.. (وكم ذا في الواقع من مضحكات كالبكاء) وأن بعضها الذي يقدم لنفسه بأنه “ليس وثائقياً.. بل هو محاكاة فنية لما يجري” لا يرقى في جوهره إلى مستوى هذا الادعاء… فمن يريد أن يقلد الواقع ينبغي له أن يمتلك حرية الخيال أولاً..!! والذي رأيناه في العملين الشهيرين لهذا الموسم.. أن الأول منهما وهو “سنعود بعد قليل” مقيّد الخيال بفيلم أجنبي لم يعرف حتى الآن كيف يلفق له “الزوائد” والاستطالات اللازمة لتمرير علاقة مزعومة بأزمة الواقع..!! بينما قيّد الثاني “الولادة من الخاصرة” خياله بالمسلسل التركي الشهير “وادي الذئاب”، ووقع تحت عجلات عربة “الأكشن” على الطريقة الشرقية..!!
– فعلاً.. أنت تذكرني بذلك المشهد الذي قفز من وادي الذئاب _ حتى إن لم يرد في أحد أجزائه حقيقة.. ولكنه من بنات أفكار ذلك الوادي _ حين لا تجد الطبيبة الغارقة في عشق رجل المخابرات الثعلب “رؤوف”، طريقة لإجباره على الزواج منها سوى التسلل إلى مخدعه، وإيقاظه بنقرات من مسدسها الجريء، مهددة إياه بالموت أو الزواج..!! ثم لا يملك ذلك الثعلب “الجبار” بداً من الرضوخ!!
.
– أمثال هذا المشهد العجائبي كثيرة..
– ومن هذا القبيل أيضاً.. أن “ينشق” عميل “تافه” عن أحد أبرز قادة المخابرات (الذي بدا حقاً مجرد رئيس عصابة كبرى، إذ لا عمل آخر له سوى مصالحه الشخصية في الفساد والإفساد، وتعاطي الموبقات بأنواعها، وخوض الصراع الدامي ضد هذا المخبر المتعملق).. ينشق هذا العميل لأسباب سخيفة جداً.. ثم يمتد أمد الصراع بين المعلم و”التلميذ” على مدى جولات عديدة حقق فيها هذا المخبر “السوقي” انتصارات “باهرة”.. لكنه لا يلبث أن يقع في قبضة المعلم المخابراتي بملعوب بسيط.. ليعفو عنه هذا “القائد” الرهيب، ويمدد معه المشوار التصالحي للعمل معاً من جديد.. في سلسلة من السذاجات “الخارقة” هي الأخرى..!! ومن نوافذ هذا البناء الدرامي “الشاهق” تطل علينا حكايات الناس البسطاء المظلومين، ومصائرهم الغائمة..!!
.
– وأمثال هذا الصراع “الهلامي” كثيرة أيضاً..!!
– نعم.. لكنك لم تحدثني عن الجدوى “الفكرية” أو “المعرفية” لهذه الأعمال الدرامية..
– إنها تدعي أنها تؤرخ للحظة، في جانبها الإعلامي _ على حد تعريف “ألبير كامو” للعمل الصحفي _ لكنها تذكرني بما قرأته يوماً عن “جورج ماكولي” أشهر المؤرخين البريطانيين.. فقد سأل يوماً عن مشادة نشبت قرب بيته، فرويت له بطرق عدة مختلفة كل الاختلاف..!! فعلق ساخراً: ونحن نكتب التاريخ لمئات السنين التي مضت..!!!