التبليغ الفوري عن العمليات المشبوهة ومراقبة السياسيين والعملات الافتراضية!
ـ تدقيق في مصدر الأموال ومراقبة “النافذين” الجزائريين والأجانب
ـ إنهاء العلاقة التعاقدية مع أي زبون مجهول الهوية
أمرت وزارة المالية، في قرار وقعه الوزير عبد الكريم بوالزرد، بإخضاع الخبراء المحاسبين ومحافظي الحسابات والمحاسبين المعتمدين لنظام رقابة صارم لمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب وتمويل انتشار أسلحة الدمار الشامل، تضمن إجراءات غير مسبوقة تلزم مكاتب المحاسبة والتدقيق بالإبلاغ الفوري عن أي معاملة مشبوهة، حتى وإن كانت مجرد محاولة لم تكتمل، مع منع الاحتجاج بالسر المهني أمام خلية معالجة الاستعلام المالي.
وفرض القرار على مهنيي المحاسبة مراقبة الزبائن السياسيين والشخصيات النافذة الجزائرية والأجنبية وإخضاعهم لإجراءات تدقيق معززة، إلى جانب تتبع أي معاملات مرتبطة بالأصول الافتراضية والعملات المشفرة المحظورة، حتى لو كانت مرتبطة بجهات أجنبية، مع منح مكاتب المحاسبة حق وواجب إنهاء العلاقة مع أي زبون يتعذر التحقق من هويته الحقيقية أو مصدر أمواله، وإمكانية التبليغ عنه مباشرة لدى الجهات المختصة.
منظومة دقيقة من الالتزامات الرقابية والتنظيمية
في السياق، أصدرت وزارة المالية قرارا جديدا يتضمن وضع نظام شامل للوقاية ومكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب وتمويل انتشار أسلحة الدمار الشامل، موجها للخبراء المحاسبين ومحافظي الحسابات والمحاسبين المعتمدين، في خطوة تهدف إلى تشديد الرقابة على مكاتب المحاسبة والتدقيق وإخضاعها لمنظومة دقيقة من الالتزامات الرقابية والتنظيمية.
وحسب ما ورد في العدد الأخير للجريدة الرسمية، يلزم النظام الجديد جميع المهنيين الخاضعين للمجلس الوطني للمحاسبة بوضع برامج مكتوبة للوقاية والكشف ومكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، مع اعتماد سياسات وإجراءات واضحة ونظام رقابة داخلية يتناسب مع طبيعة نشاطهم وحجم المخاطر المرتبطة به. وأكد القرار على ضرورة توثيق كل خدمة يقدمها الخاضعون لزبائنهم من خلال اتفاقيات مكتوبة وموقعة، مع منع الاحتفاظ بأي ملفات مجهولة المصدر أو وهمية، وإلزام المهنيين بمعرفة دقيقة لهوية الزبائن والمستفيدين الحقيقيين من المعاملات.
وأوجب النص الجديد على مكاتب المحاسبة والتدقيق اعتماد نهج قائم على تقييم المخاطر، من خلال إنشاء نظام لتحديد وتقييم مخاطر تبييض الأموال وتمويل الإرهاب وتمويل انتشار أسلحة الدمار الشامل، مع مراعاة طبيعة الزبائن والخدمات المقدمة والتكنولوجيات المستعملة والدول أو المناطق الجغرافية المرتبطة بالمعاملات. كما ألزم القرار المهنيين بإجراء تقييم سنوي للمخاطر على الأقل، مع تحديث هذا التقييم كلما طرأت تغييرات جوهرية على النشاط أو الزبائن أو المعلومات الصادرة عن الجهات المختصة، مع الاحتفاظ بهذه التقييمات وإتاحتها للسلطات المختصة عند الطلب.
وشدد النظام على ضرورة إعداد سياسات وإجراءات وضوابط داخلية مناسبة لإدارة المخاطر، مع اعتماد تدابير عناية واجبة معززة بالنسبة للعلاقات أو العمليات ذات المخاطر المرتفعة، مقابل إمكانية تطبيق إجراءات مبسطة عندما تكون المخاطر منخفضة.
وفيما يتعلق بمعرفة الزبون، فرض القرار التحقق من هوية الزبون والمستفيد الحقيقي قبل إقامة أي علاقة تعاقدية أو تنفيذ أي معاملة، سواء تعلق الأمر بأشخاص طبيعيين أو معنويين، مع جمع معلومات دقيقة حول النشاط ومصدر الأموال وهيكل الملكية بالنسبة للشركات والمنظمات.
كما ألزم الخاضعين بتحديد المستفيد الحقيقي الذي يملك أو يسيطر فعليا على الشخص المعنوي، سواء عبر الملكية المباشرة أو غير المباشرة أو من خلال السيطرة على أجهزة الإدارة والتسيير. وأوجب النص على مكاتب المحاسبة والتدقيق تطبيق مراقبة مستمرة للعلاقات التعاقدية، وفحص المعاملات المنجزة طوال فترة التعامل مع الزبون للتأكد من انسجامها مع طبيعة نشاطه وملف مخاطره، إضافة إلى تحيين بيانات الزبائن بصفة دورية، خاصة بالنسبة للفئات المصنفة عالية المخاطر، على ألا تتجاوز مدة التحيين سنة واحدة بالنسبة لهذه الفئات.
كما منح القرار إمكانية تطبيق إجراءات عناية مبسطة في بعض الحالات منخفضة المخاطر، مثل تأجيل التحقق من الهوية إلى ما بعد إنشاء العلاقة التعاقدية، لكن مع منع ذلك في حالات الاشتباه في تبييض الأموال أو تمويل الإرهاب أو انتشار أسلحة الدمار الشامل.
وفي المقابل، ألزم النظام الخاضعين بتطبيق تدابير معززة في الحالات ذات المخاطر المرتفعة، تشمل جمع معلومات إضافية حول الزبون والمستفيد الحقيقي ومصدر الأموال، وتعزيز عمليات المراقبة، والحصول على ترخيص مسبق من المسؤول المعتمد قبل إنشاء أو مواصلة العلاقة التعاقدية. كما شدد القرار على ضرورة الامتناع عن إقامة علاقات أعمال أو تنفيذ معاملات إذا تعذر التحقق من هوية الزبون أو المستفيد الحقيقي، مع إمكانية إنهاء العلاقة التعاقدية والتفكير في تقديم تصريح بالشبهة إلى خلية معالجة الاستعلام المالي.
وفي ما يخص الأشخاص المعرضين سياسيا، فرض النظام على المهنيين إنشاء آليات تسمح بتحديد ما إذا كان الزبون أو المستفيد الحقيقي شخصية سياسية وطنية أو أجنبية أو مرتبطة بمنظمة دولية، مع تطبيق تدابير عناية معززة في هذه الحالات. وألزم القرار مكاتب المحاسبة والتدقيق بالاحتفاظ بجميع الوثائق المتعلقة بالزبائن والمعاملات والتقارير والتحاليل لمدة لا تقل عن خمس سنوات بعد انتهاء العلاقة التعاقدية أو تنفيذ العملية، بهدف تمكين السلطات من إعادة بناء العمليات عند الحاجة للتحقيقات والمتابعات القضائية.
كما فرض إنشاء أنظمة رقابة داخلية قادرة على كشف العمليات غير الاعتيادية أو المشبوهة، خاصة تلك التي لا تبدو لها مبررات اقتصادية أو تجارية واضحة، أو التي تتضمن مبالغ نقدية غير متناسبة مع الوضع المالي للزبون، أو عمليات معقدة وغير مبررة. وفي هذه الحالات، يتعين على الخاضعين الاستفسار عن مصدر الأموال ووجهتها والغرض من المعاملة، مع إعداد تقارير سرية والاحتفاظ بها وفقا للتشريع المعمول به.
تشديد التحقق من الزبائن القادمين من دول عالية المخاطر
وألزم النظام جميع المهنيين بالإخطار الفوري بالشبهة إلى خلية معالجة الاستعلام المالي عند الاشتباه في عمليات مرتبطة بتبييض الأموال أو تمويل الإرهاب أو تمويل انتشار أسلحة الدمار الشامل، حتى في حال تعذر توقيف العملية أو بعد تنفيذها، مع احترام السر المهني وعدم إبلاغ الزبون أو أي طرف آخر بوجود التصريح بالشبهة.
كما نص القرار على منع الاحتجاج بالسر المهني أمام خلية معالجة الاستعلام المالي، مع حماية المهنيين ومستخدمي المكاتب من أي متابعة جزائية أو مدنية إذا قاموا، بحسن نية، بإرسال معلومات أو تصريحات بالشبهة للهيئة المختصة.
وفي جانب آخر، فرضت وزارة المالية تطبيق تدابير عناية معززة عند التعامل مع أشخاص أو مؤسسات من دول مصنفة عالية المخاطر من قبل مجموعة العمل المالي أو من قبل خلية معالجة الاستعلام المالي، مع إمكانية تطبيق تدابير مضادة إضافية تحدد تنظيميا. كما ألزم النظام كل مكتب محاسبة أو تدقيق بتعيين مسؤول امتثال يتولى إدارة أنظمة الوقاية ومراقبة الامتثال ومتابعة تنفيذ السياسات والإجراءات الخاصة بمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب وتمويل انتشار أسلحة الدمار الشامل، على أن يكون هذا المسؤول المخاطب الرئيسي للهيئات المختصة.
وتشمل مهام مسؤول الامتثال تقييم المخاطر، واعتماد السياسات، ومراقبة فعاليتها، ووضع إجراءات لاختيار المستخدمين وفق معايير النزاهة، والإشراف على برامج التكوين المستمر، والتعاون مع السلطات المختصة.
كما أوجب القرار على مكاتب المحاسبة والتدقيق إعداد تقرير سنوي يرسل إلى المجلس الوطني للمحاسبة خلال أربعة أشهر بعد نهاية كل سنة مالية، يتضمن عرضا لنظام الوقاية ومكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب وتمويل انتشار أسلحة الدمار الشامل المعتمد داخل المكتب.
وفي إطار التكوين والتوعية، فرض النص إعداد برامج تكوين دورية لفائدة المستخدمين، خاصة المكلفين بوظيفة الامتثال والعاملين على اتصال مباشر مع الزبائن، مع تحديد آليات حفظ وثائق التكوين والتقييم الدوري للمعارف المكتسبة.
وألزم القرار كذلك المكاتب بوضع إجراءات تسمح لجميع المستخدمين بالإبلاغ عن العمليات المشبوهة لمسؤول الامتثال، مع إعداد وثيقة خاصة بالأخلاقيات والمعايير المهنية وإطلاع جميع العاملين عليها. وفي جانب يتعلق بتحيين معرفة الزبون، فرض النظام التحقق من أن الزبائن أو المستفيدين الحقيقيين غير مدرجين ضمن قوائم الأشخاص والكيانات المرتبطة بالإرهاب وتمويله أو بتمويل انتشار أسلحة الدمار الشامل، سواء ضمن قوائم مجلس الأمن الدولي أو القائمة الوطنية، مع الإبلاغ الفوري عن أي تطابق إلى خلية معالجة الاستعلام المالي.
تتبع المعاملات المرتبطة بالعملات المشفرة والأصول الافتراضية، كما خصص القرار مادة كاملة للأصول الافتراضية، حيث ألزم الخاضعين بإنشاء آلية لرصد أي معاملات مرتبطة بأصول افتراضية أو بمقدمي خدمات الأصول الافتراضية المحظورة، مع التبليغ الفوري عن أي شبهة إلى خلية معالجة الاستعلام المالي.
لجنة مشتركة لتنسيق مكافحة تبييض الأموال
وفي سياق متصل، صدر قرار آخر تضمن تعيين أعضاء اللجنة العملياتية لتنسيق سياسات وعمليات مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب لمدة ثلاث سنوات قابلة للتجديد. وضمت اللجنة ممثلين عن وزارة الداخلية والجماعات المحلية والنقل، وزارة العدل، قيادة الدرك الوطني، المديرية العامة للأمن الداخلي، المديرية العامة للأمن الوطني، بنك الجزائر، المديرية العامة للجمارك، المديرية العامة للضرائب، المديرية العامة للأملاك الوطنية.
ويرأس رئيس خلية معالجة الاستعلام المالي هذه اللجنة المكلفة بتنسيق سياسات وعمليات مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب بين مختلف الهيئات والقطاعات المعنية.