التفكير بصوت مرتفع
هل العقل العربي حر أم يحتاج إلى ثورة جديدة لتحريره؟ ماذا يعني التحرير بالنسبة للعقل؟ وهل يستطيع العقل المحرر أن يحدث تغييرا في المجتمع؟ وكيف سيكون موقفه ممن يطالبون بالعودة أو يهرولون نحو المستقبل الأجنبي في بلدانهم؟.
الجهاد الثالث
إذا كانت عملية تحرير البلاد من الاحتلال الأجنبي توصف بالجهاد الأصغر أمام الجهاد الأكبر وهو بناء الدولة فماذا نسمي بناء العقل؟ وكيف يمكن تحرير الإنسان من هيمنة (الوطني والمحرر والزعيم والقائد) بعد أن تحولوا إلى قيود تكبل التفكير وتقييد الرأي تحت غطاء حماية الوطن والمواطن من عودة المحتل الافتراضي.
حين تفكر الجماهير بصوت مرتفع قد تطرح إشكالية كبيرة أمام النخب الفكرية والسياسية التي كانت تفكر بدلا عنها، وتعتقد أنها القادرة على تحريرها، لكن تبين أن الربيع العربي جعل هذه النخبة تبتعد كثيرا عن الجماهير، ذلك أن الربيع العربي أحدث تغييرا جذريا حول السلطة الشعبية إلى إرادة حقيقية تتقرب منها الدول العظمى واحتواء غضبها والتنكر للسلطة التي كانت في خدمتها ذات يوم..
الكثير من الأقطار العربية تواجه مشاكل حقيقية ليس بسبب استبداد حكامها وإنما بسبب الخوف الذي يسكن عقول نخبها، فالشعب التونسي تحرر من الخوف بينما نخبها ما تزال بين مطرقة السلفيين وسندان المتطرفين أو المستفيدين من النظام السابق.
راهنت شعوبنا على نخبها الوطنية حتى تقودها إلى بر الأمان، لكن تبين أنه رهان خاسر لأن هذه النخب لا ترى في المرآة إلا وجهها، ولا تؤمن بإرادة الشعوب في التغيير، ولعل هذا ما أدى إلى ظهور “الجهاديين” و” التكفيريين” في الوطن العربي.
ولهذا فإن الجهاد الثالث يبدأ بإعادة النظر في منظومة القيم الوطنية حتى يمكن للشعوب العربية أن تستدرك ما فاتها، ذلك أن المنظومة التربوية -مثلا- فشلت في تشكيل عقل الجيل الصاعد لأنها لقنته المعلومات ولم تمكنه من فهمها، وعلّمته الحفظ وليس الاستيعاب، وهذا المنطق تم تعميمه حتى على “قفة رمضان” التي أصبحت سياسة في بلادنا، وكان يفترض أن تبحث السلطة عن حل لمشكلة الفقراء في بلد غني مثل الجزائر عوض إذلال المواطن وتحويل خيرات بلاده إلى صدقة ومن عليه؟.
تسيس ما لا يسيّس
من يقرأ الملاحظة الثامنة من خلاصة التقرير الرسمي عن حيثيات فضيحة البكالوريا لعام 1992م يتساءل: هل كتبها أساتذة أم سياسيون؟ فالعملية مرتبطة بتسريب أسئلة امتحان البكالوريا ويفترض أن تعاد دون إعطائها بعدا تآمريا، يقول التقرير: إن القصد من إلغاء الامتحان هو زعزعة الاستقرار والأمن: “السعي لدفع التلاميذ الى التوقف عن إجراء الامتحان والخروج إلى الشارع للاحتجاج، وقد يكون بداية لنشر الفوضى قصد الوصول الى العصيان المدني”.
إن هذا التأويل الأمني هو الذي أدى إلى أن تصبح أسئلة الامتحانات في المنظومة التربوية تحت الحماية الأمنية، ولو كان عقل المعلم والأستاذ محررا لتحررت عقول التلاميذ والطلبة، ولو كان عقل الإمام والفقيه حرا لتحررت عقول المصلين الذين يخافون من سرقة أحذيتهم من بيوت الله.
والحق هناك من يريد أن يحول المساجد في فرنسا إلى أوبرا للعروض الموسيقية الدينية المسيحية واليهودية حتى يرضي (النصارى واليهود) ليزيل التهمة عنه، ولو كان يدرك أن “المساجد بيوت الله تضيء لأهل السماء كما تضيء النجوم لأهل الأرض” لما تجرّأ على تدنيسها باسم حوار الأديان.
عمر الأحزاب في الجزائر لا يتجاوز 22 سنة، بينما عمر قياداتها يتجاوز 60 سنة، فهل نستطيع أن نحرر العقول السياسية من سياسة التضليل للرأي العام والادعاء بأنها في خدمة البلاد والعباد، إن التفكير بصوت مرتفع يبقى السلاح الوحيد للتغيير في أقطارنا العربية.