-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الجريمة… الردع والعقاب

عمار يزلي
  • 58
  • 0
الجريمة… الردع والعقاب

الجريمة، في حد ذاتها، ومن حيث المعنى والدلالة والاشتقاق، تشير إلى القطع، قطع الصلة بين طرفين: فعبارة “لا جرَمَ” تعني لغويا: “قطعا لا”. قطع الرابط مع المجتمع والوسط، من خلال الفعل القاطع الإجرامي، ماديا كان أو معنويا. كما أن الجريمة، تعني أيضا قطع الصلة مع الله، ومع النفس، ومع الجميع، بمن فيهم علاقة المقترِف للجرم مع المجتمع والأسرة والأفراد سواء في محيطه القريب أو البعيد من نَسب أو قرابة أو صداقة أو عمل أو صلة ما. المجرم قاطعٌ للصِّلات، مفكِّك للعُرى الاجتماعية، ممزِّق للنسيج الاجتماعي، مدمِّر للروابط والضوابط والمعايير، فهو من حيث “الوضع”، مبتورٌ وموْتور عن الوسط والمحيط الذي يعيش فيه وبه ومنه وعليه.

تتعدد أشكال الجرائم توصيفا من القتل الفردي والجماعي، إلى الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي تقترفها الجيوش والمجاميع الإجرامية على كل أشكالها، سواء كانت تابعة لتنظيمات أو لكيانات رسمية سرية أو علنية، و”الإرهاب” جزء من هذه التنظيمات: فالمجرم قد لا يكون دوما من مجاميع سراق الأحياء وقطّاع الطرق، بل يكون ذلك المحتال والفاسد والمزوِّر خلف بذلة أنيقة وربطة عنق وياقة بيضاء.

كلما تغير المجتمع وبدا للعيان أنه يتطور نحو “الحداثة” و”المعاصرة” أو نحو “الرقي الاجتماعي”، تتغير أشكالُ الجرائم وتتنوع في الشكل والوسيلة والأداة، لكن الجوهر قائم منذ الأزل: عدوانية الأنانية وطغيان شراهة الربح والسيطرة والهيمنة سواء أكان الفاعلون أفرادا أم جماعات.

تتساوى كل الجرائم ولو اختلفت في الشكل والطريقة والأداة، فلا فرق أن يكون الجرم بالقتل خنقا أو حرقا، بالرصاص أو بالقنابل أو بطعنة سكين غادر، أو بسمٍّ مدسوس أو بدهس متعمَّد أو بإحراق وإغراق، وكل ما يمكن أن يجعل الجريمة تختلف هي النية: الجريمة المتعمدة أو الجريمة غير العمدية، وقصاصهما موضح في كل الشرائع الوضعية والسماوية بمن فيها القرآن الكريم: “وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدَّق به فهو كفارة له” (المائدة/45)، وفي العدالة القديمة كانت قاعدة: “…العين بالعين والسن بالسن” هي السائدة، وقد أضاف لها العرب عبارة “والبادي أظلم”، للتأكيد على أن المُبادر للظلم هو من يتحمل وزر ظلمه.

عدالة السماء تتمثل في عدم الإفراط في استعمال العنف لا التفريط فيه، وهذا لدواع معينة لاسيما في مسألة “أخذ الثأر”، إذ أن الديانات السماوية، تفضِّل العفو والصفح عن أخذ الثأر، نجد هذا عند المسيح عليه السلام فيما سمي بـ”موعظة السهل”، كما نجده في القرآن الكريم: “فمن عفي له من أخيه شيء فإتِّباعٌ بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة” (البقرة/178) وأيضا الآية 45 من سورة البقرة المشار إليها آنفا، والتي تصف العافي في الجريمة كمن “تصدَّق”.

هذا يفيد بأن العلاقات الثنائية والجماعية حين تتضرر لأسباب معينة، يمكن إصلاحها ورأبها، فالإصلاح هو الأصل لا الإفساد، لكن العقاب واضحٌ في كل الشرائع والقوانين الوضعية، لاسيما في الجرائم المنظمة التي تستهدف المواطن والأمن العامّ وحياة الناس، فكل الطرق مشار إليها ومطبَّقة في كثير من الدول بما فيهم حكم الإعدام. القاتل في القاعدة يقتل، لكن التخفيف واستبدال الإعدام بالمؤبد مثلا، له شروطه وقواعده، لكن في حالة الجرائم الكبرى، المخزية، اللئيمة كالإحراق العمدي، وتجارة المخدرات، وكل وسيلة لئيمة، بما فيها جرائم تسويق المؤثرات العقلية، فتشديد العقوبة هو عينُ الصواب، فالجرائم التي تستهدف المواطن وسلامة عقله وحياته جرائم لا تُغتفر.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!