-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الجزائر: إسلامية الروح نوفمبرية التوجه مالكية المذهب

الجزائر: إسلامية الروح نوفمبرية التوجه مالكية المذهب

تابعتُ الجدل المحتدم حول مشروع الإصلاح التربوي الذي كشف عنه وزير التربية الوطنية محمد صغير سعداوي، والذي يأتي في مقدمته دحرجة الفرنسية في المرحلة الابتدائية إلى السنة الرابعة، وهو ما أثار حفيظة بعض المولعين بحب فرنسا الذين لا يريدون للغتها أن تتوارى عن المشهد بل لا يريدون لها أن تزحزح عن الصدارة لأي كان ولأي لسان، وكأنها وُجدت لتبقى ومن سعى في زحزحتها وقع في المحظور وارتكب خطيئة لا تختلف كثيرا عن الخطيئة الأصلية التي قرأنا عنها في أسفار العهد القديم والعهد الجديد.
استشاط بعض التروتسكيين غضبا لهذا الأمر وصبوا جام غضبهم على وزير القطاع، ودعا بعضهم إلى نقاش وطني حول المنظومة التربوية، يثريه الخبراء بالشأن التربوي ليتمخض النقاش عن خارطة طريق ترسم معالم المدرسة الوطنية وتحدد المسار الذي تسلكه في الراهن وفي المستقبل. والحقيقة أن هذه دعوة كاذبة ضبابية مضللة ظاهرها الحرص على مستقبل المدرسة الوطنية وباطنها خدمة أجندات والتمكين لأيديولوجيات، ينبذها المجتمع الجزائري عن بكرة أبيه لأنها تخالف الدعائم الثلاث التي تقوم عليها الجزائر وهي: الإسلام وقيم نوفمبر وأحكام الفقه المالكي، وهي الدعائم التي تمثل الوسطية، وتنبذ الغلو وتؤسس لمجتمع جزائري راشد متمسك بالإسلام ومكاسب الثورة وأصول الفقه المالكي.
إن الدعوة إلى نقاش وطني حول الإصلاح التربوي في الجزائر التي تولى كِبرها بعض المتحزبين الذين لا فقه لهم في الشأن التربوي تعري صفحتهم وتكشف جهلهم والطريقة العقلانية التي تدار بها الأمور وكيف تناقش شؤون التربية وغيرها، ألا يعلم هؤلاء أن الإصلاح التربوي لا يصل إلى منتهاه ولا يعتمد ولا يعتدّ به إلا بعد أن يستوفي مراحل الخبرة وخبرة الخبرة قبل أن يصبح مشروعا قابلا للتطبيق؟
إن وزارة التربية الوطنية لا تبتدع مشاريع من تلقاء نفسها، ولا تعتمد برامج تُطبَخ في الفضاءات الإدارية المغلقة ثم تلقي بها إلى المجتمع ليعمل بها راغما، بل تحيل هذه المشاريع والبرامج على الخبراء والمحققين وتفتح لهم الباب على مصراعيه لأنها تعمل بالقاعدة الذهبية: “ولا ينبِّئك مثلُ خبير”.

لخَّص بيان جمعية العلماء المسلمين الجزائريين الموقف العقلاني السليم الذي يجب أن يكون حيال اللغة العربية في مقابل اللغات الأخرى، إذ بيَّنت الجمعية أن العربية “وطنٌ وهوية لا غنيمة وترف”، مؤكدة أنه لا ينبغي المساومة عليها أو قياسها بغيرها، فيما اعتبرت أن اللغات الأخرى تمثل مكاسب علمية ينبغي الاستفادة منها بالقدر الذي يخدم الوطن، ووفق الاجتهادات والمعايير المعمول بها. وأضافت الجمعية أن من يجعل لغة الأجنبي عنوانا للتحضر فقد “ظلم العلم”،كما أن من يعتبر تعلُّمها تهمة في الوطنية فقد “ظلم العدل”، معتبرة أن كلا الظلمين مذموم.

لست هنا للدفاع عن وزير التربية سعداوي، فماضي الرجل وتوجُّهه الوطني يغني عن كل ذلك، بل لأقول للمحسن أحسنت وللمسيء أسأت، ما هي جريرة الوزير التي أثارت غضب التروتسكيين المتباكين على الفرنسية التي ماتت من زمان ولم يبكها أهلها ووجدت من بين ظهرانينا ومن بني جلدتنا من يبكيها مؤدين دور النائحة المستأجَرة التي تتكلف الدموع لترضي الجموع وتستهدف أموالهم ولا يهمها ميتهم، يصير إلى جنة النعيم أم إلى جهنم وبئس المصير؟ لقد ماتت الفرنسية من زمان، وهجرها حتى أهلها الذين شروها بثمن بخس وتوجهوا إلى غيرها لأنها لم تعد لغة للبحث بل لغة للمحادثة والأفلام الكرتونية والإعلانات التجارية وعلى نطاق محدود. ليس هذا تعصبا ضد الفرنسية بل هي حقيقة الانتكاسة التي مُنيت بها بعد عصرها الذهبي في زمن ولى في عهد موليير والآخرين.
لا يصدُق على الفرنسية اليوم حتى مصطلح “غنيمة حرب”، فهذه الغنيمة استُهلكت وترهَّلت ولم تعد تغري أحدا إلا من هام بحبها، وكأن بينهما عقدا أزليا، لا يملك أي منهما الفكاك منه حتى ولو أراد، فحبُّ الفرنسية أصبح يجري في عقولهم مجرى الدم. لا ينبغي لـ”غنيمة الحرب” المزعومة أن تتحول إلى فاكهة المجلس وتنسينا لغتنا العربية وأصولنا العربية الأمازيغية فنحن صنعُ الإسلام وأبناء يعرب وأمازيغ وأحفاد ديدوش وعميروش، كل همنا الدفاع عن هويتنا والذود عن وطننا والتمسك بمرجعتينا. ولا يعني هذا أننا نعادي مخالفينا أو ننغلق على أنفسنا بل نحن منفتحون على الآخرين وعلى لغاتهم من غير خضوع أو نكوص عن أصولنا ومبادئنا.
لقد لخَّص بيان جمعية العلماء المسلمين الجزائريين الموقف العقلاني السليم الذي يجب أن يكون حيال اللغة العربية في مقابل اللغات الأخرى، إذ بيَّنت الجمعية أن العربية “وطنٌ وهوية لا غنيمة وترف”، مؤكدة أنه لا ينبغي المساومة عليها أو قياسها بغيرها، فيما اعتبرت أن اللغات الأخرى تمثل مكاسب علمية ينبغي الاستفادة منها بالقدر الذي يخدم الوطن، ووفق الاجتهادات والمعايير المعمول بها. وأضافت الجمعية أن من يجعل لغة الأجنبي عنوانا للتحضر فقد “ظلم العلم”،كما أن من يعتبر تعلُّمها تهمة في الوطنية فقد “ظلم العدل”، معتبرة أن كلا الظلمين مذموم.
إن المدرسة الوطنية لا تحتاج إلى كثير جدل بل تحتاج إلى كثير عمل لتجسيد الدعائم التي تقوم عليها، وهي الدعائم التي قامت وتقوم عليها الجزائر ولا اجتهاد بشأنها، فكما أنه لا اجتهاد مع النص فيما هو قطعي الثبوت قطعي الدلالة من نصوص الوحي، كذلك لا اجتهاد مع الثوابت الوطنية، التي استقرَّت بعد قرون وبعد بحوث مضنية في المتون، وبعد تضحيات من دم الشهداء ومداد العلماء.
من الثوابت التي تقوم عليها المدرسة الوطنية الإسلام في صورته الوسطية التي لا غلو فيها ولا إفراط ولا تفريط، فالإسلام كما جاء في الدستور الجزائري، المادة الثانية هو “دين الدولة” وهو الوعاء الديني والتاريخي الذي انتظمت فيه عادات وأعراف الجزائريين، وتوافق عليه الجزائريون منذ قرون.
ومن الدعائم التي تقوم عليها الجزائر والتي ينبغي أن يؤسس عليها أي إصلاح تربوي، هي المبادئ الأساسية التي جاء بها بيان أول نوفمبر، فلا خير في مدرسة في قطيعة مع ماضيها الثوري وتاريخها النضالي. إننا نريد مدرسة نوفمبرية التوجه، تؤمن بأن الكفاح الوطني لتحرير البلاد ينبغي أن تسري روحه في كل مسعى للإصلاح التربوي والمجتمعي، فنوفمبر محطة للإجماع وملهمٌ للجميع ومرجع لبناء الشخصية وتأسيس الدولة وحماية المرجعية.
ومن الدعائم التي تقوم عليها الجزائر، والتي ينبغي أن يستوحي منها المشتغلون على مشروع الإصلاح التربوي، المعالم الهادية، المذهب لمالكي الذي يعد مكسبا فقهيا ثمينا لما يتميز به من وسطية ظاهرة ومرونة قاصدة وتكيف مع النوازل والمستجدات بروح مقاصدية، تراعي مقاصد الشريعة والمصالح الشرعية. لقد كان الفقه المالكي مصدرا للاجتهاد المتزن والرأي المرن الذي يسهم في تعزيز اللحمة علاوة على تقرير أحكام الشريعة. لقد ترسَّخ الفقه المالكي في الجزائر منذ القرن الثالث الهجري عبر تواصل حضاري متين ومدارس فقهية عتيدة، بلغت من الشهرة ما بلغه شيوخها من خبرة. إن تاريخ الفقه المالكي يذكِّرنا بفقهاء كبار مؤسسين من أمثال إسحاق بن أبي عبد الله الملشوني ويحيى بن خالد السهمي التاهرتي اللذين نقلَا المدوَّنة الفقهية وقواعد القضاء، ويذكّرنا بمقاومة الفقهاء المالكيين لسياسات التفسخ الثقافي والانسلاخ الحضاري التي عمل الاستعمار الفرنسي على تكريسها وعمل هؤلاء الفقهاء على محاربتها، فالتقت في ذلك وعلى فترات جهود المدارس الفقهية وجهود الزوايا وجهود جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التاريخية والحالية وجهود وزارة الشؤون الدينية والأوقاف وجهود الباحثين لتشكل في النهاية مكسبا جزائريا لا ينفرط عقده ويمتد أثره وتنتقل ثمرته بين الأجيال.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!