الجزائر تُعزّز التكفل بمرضى التوحّد…. ومُلتقيات وحملات تحسيسية
زرمان: التدخل المبكر والبرامج المكيّفة تنقل طفل التوحد من الانغلاق إلى الإبداع
ملتقى وطني حول التوحّد يومي 20 و21 أفريل بالجزائر العاصمة
شهدت وضعيّة فئة المُصابين باضطراب طيف التوحّد في الجزائر خلال السنوات الأخيرة تحوّلاً إيجابيا ملحوظا، انتقلت فيه من وضعية نقص الرعاية بسبب قلّة المراكز المتخصصة إلى مرحلة جديدة عنوانها الاهتمام الرّسمي والإدماج المُجتمعي، في ظل سلسلة من الإجراءات والبرامج التي تبنّتها الدولة مؤخرا، مع تنامي وعي المجتمع بأهمية احتضان هذه الفئة.
تُجمع آراء المختصين والجمعيات على أن أطفال التوحد ليسوا عاجزين، بل يمتلكون طاقات كامنة تحتاج فقط إلى بيئة مناسبة لتزدهر. وهو ما يعكس إرادة السلطات لتطوير هذا الملف، والتوجه نحو إدماج شامل يضمن لهذه الفئة مكانتها داخل المجتمع.
وعانى مرضى التوحد في سنوات سابقة من عدة صعوبات، أبرزها نقص مراكز التشخيص والتكفل، وقلة المختصين، إلى جانب ضعف الوعي المُجتمعي بطبيعة هذا الاضطراب.
كما واجهت العائلات تحديات كبيرة، سواء من حيث التكلفة المادية للعلاج أم الضغط النفسي والاجتماعي، حيث أظهرت دراسات حديثة أن أولياء الأطفال المصابين بالتوحد يعيشون ضغوطا تؤثر على جودة حياتهم اليومية.
كما كانت النظرة المجتمعيّة في بعض الأحيان سلبية، نتيجة الخلط بين التوحد وأمراض أخرى، مما زاد من عزلة هذه الفئة وصعّب إدماجها في المدارس والمجتمع.
ولم تتوان السلطات، في إيجاد حلول وإجراءات للتكفل بهذه الفئة، في إطار تعزيز الحماية الاجتماعية، وتحسين التكفل بمرضى التوحد، من أبرزها إنشاء المركز الوطني للتوحّد ومراكز متخصصة عبر مختلف الولايات، بهدف توحيد برامج الرعاية وتوفير تكفل علمي وبيداغوجي مُناسب، إعداد برامج بيداغوجية مكيفة تعتمد على أسس علمية حديثة، تراعي خصوصية كل فئة عمرية، وتساعد على تطوير قدرات الأطفال المصابين، مع تنظيم دورات تكوينية للمؤطرين بالتعاون مع منظمات دولية مثل اليونيسف، لرفع كفاءة العاملين في مجال مرافقة الأطفال المصابين بالتوحد وأسرهم.
ولجأت إلى تفعيل دور وكالة التنمية الاجتماعية، عبر برامج دعم الفئات الهشة، بما في ذلك الأسر التي لديها أطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة، وتعزيز الإدماج الاجتماعي، ويتم العمل على تطوير الإطار القانوني والتنظيمي لضمان حقوق هذه الفئة في التعليم والرعاية الصحية.
وبالتوازي، مع الجهود الرسمية، تغيرت النظرة المجتمعية اتجاه المصابين بمختلف أنواع التوحد، من الوصم إلى التقبل، بحيث شهد المُجتمع الجزائري تحسناً تدريجياً في نظرته، بفضل الحملات الإعلامية ونشاط الجمعيات، مع ازدياد تقبل الأسر لفكرة التشخيص المبكر والمتابعة العلاجي، من فترة الحمل إلى غاية بعد الولادة. كما ظهرت مبادرات مدنية وتطوعية لدعم الأطفال المصابين وإدماجهم في الأنشطة التعليمية والترفيهية.
تعميم مراكز التكفل بولايات داخلية
وفي الموضوع، اعتبرت صاحبة مبادرة “معا… لحماية أطفال التوحد”، نوال بن محجوب، أن هذه الفية تحتاج إلى إدماج حقيقي في المجتمع، وأن معاناتها الحقيقية تتمثل في نقص مراكز التكفل، خاصة بولايات داخلية، وصعوبات مجتمعية، بسبب “سوء فهم التوحد واعتباره مرضا نفسيا خطيرا أو حتى جنونًا، ما يجعل بعض أطفال التوحد يتعرضون أحيانا للتنمر أو الإقصاء”.
بينما يعاني أولياؤهم، بحسب المتحدثة، من ضغط نفسي كبير نتيجة صعوبة التعامل اليومي مع الطفل، وارتفاع تكاليف العلاج والتأهيل لدى الأطباء الخواص.
وأشارت، بن محجوب، إلى نقص المختصين في التربية الخاصة والعلاج السلوكي، ومعتبرة أن “تحسين وضعية أطفال التوحد يتطلب خطوات عملية، من أهمها تعميم مراكز التشخيص والتكفل المبكر عبر جميع الولايات، تكوين المعلمين والأطباء في التعامل مع اضطراب التوحد، ودعم مادي ومعنوي للأسر لتخفيف الأعباء”.
ومن جهته، يؤكد المختص في الأمراض النفسية، حسام زرمان، أن التوحد ليس عجزا بل نمط تفكير مختلف يحمل قدرات خاصة، وأن اضطراب طيف التوحد لا يعني بالضرورة ضعف الذكاء أو محدودية التعلم، بل يعكس نمطًا مختلفًا في معالجة المعلومات، يمكن أن يتحول إلى مصدر قوة إذا توفرت الرعاية المناسبة.
يتفوقون في الرياضيات والتكنولوجيا
ويؤكد المختص لـ “الشروق”، أن الأطفال المصابين بالتوحد يمتلكون مؤهلات معرفية مميزة، من أبرزها، قدرات عالية على التركيز والانتباه للتفاصيل، حيث يتميز كثير منهم بدقة ملاحظة تفوق أقرانهم، خاصة في المهام البصرية، ويمتازون بالتفكير البصري والتحليل المنطقي، بحيث يبرعون في حل المشكلات التي تتطلب معالجة بصرية أو أنماطًا متكررة، وأظهرت دراسات أنهم يميلون لاكتشاف الأنماط والتعمق في مجالات محددة، ما يساعدهم على التفوّق في مجالات مثل الرياضيات والتكنولوجيا.
ويضف زرمان: “أطفال التوحد يتمتعون بذاكرة قوية واهتمامات عميقة، خاصة في المجالات التي يحبونها، وقد تتحوّل هذه الاهتمامات إلى مهارات احترافية”.
ويقول إن العامل الحاسم ليس درجة التوحد بحد ذاتها، بل نوعية التكفل، موضحا أن “التدخل المبكر والبرامج التعليمية المكيّفة، يمكن أن تنقل الطفل من حالة انغلاق إلى مستوى من الاستقلالية والإبداع”.
كما يشدد زرمان على أن اعتماد ما يسمى بـ”المقاربة المبنية على نقاط القوة” يساعد على تحسين جودة حياة الطفل وتعزيز ثقته بنفسه.
وفي سياق مواز، وتحت شعار “من أجل ديناميكية مستحدثة وتكفل فعال”، تحتضن الجزائر العاصمة يومي 20 و21 أفريل 2026 ملتقى وطنيا حول التوحد، تنظمه الجمعية الوطنية للتوحد بالجزائر بالتنسيق مع الهيئة الوطنية لحماية وترقية الطفولة والمجلس الشعبي البلدي لبلدية الجزائر الوسطى، وتحت رعاية وزارة التضامن. ويأتي هذا الموعد العلمي في إطار الجهود الرامية إلى تعزيز الوعي باضطراب طيف التوحد، وتبادل الخبرات بين المختصين والفاعلين في مجالات الصحة والتربية والحماية الاجتماعية.
ويعكس الحدث الاهتمام الرسمي المتزايد بقضايا الإدماج والدعم النفسي والتربوي لفئة الأطفال ذوي التوحد، كما يسعى الملتقى إلى تسليط الضوء على آخر المستجدات العلمية والعملية المرتبطة بطرق التشخيص والتكفل والمرافقة، بما ينسجم مع التوجهات الحديثة في هذا المجال.
ويستقطب الملتقى مجموعة من المختصين والأكاديميين، من بينهم الدكتورة فاطمة ماموني، البروفيسور مجيد تابتي، داود تاتو، الدكتورة ليلى الوعلي، رياض خنابو، زهرة كبي، الدكتورة كريمة بن يوسف، والبروفيسور شادية أبرادو. ومن المنتظر، أن تتناول المداخلات محاور متعددة تتصل بالدعم المبكر، وسبل تحسين التكفل، ودور الأسرة والمؤسسات في مرافقة الأطفال المصابين بالتوحد.
ويُنتظر أن يشكل هذا الملتقى فضاءً للنقاش وتبادل التجارب بين المختصين والأولياء والمهتمين، خاصة في ظل الحاجة إلى مقاربات أكثر فعالية وحداثة في التعامل مع اضطراب التوحد. كما يعكس تنظيمه في قلب العاصمة الجزائرية رغبة في جعل القضية حاضرة بقوة في النقاش العمومي والمؤسساتي.