-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الجزائرـ فرنسا: علاقات بلا عاطفة أفضل…

الجزائرـ فرنسا: علاقات بلا عاطفة أفضل…

مشكلتنا مع الحكومات الفرنسية المتعاقبة ومنذ أكثر من 50 سنة من استعادة السيادة الوطنية أننا لم نتمكن من عزل العوامل الثقافية والتاريخية والعاطفية عن علاقتنا المتبادلة. فرنسا تعتقد أنها من خلال هيمتنها الثقافية واللغوية والارتباط العاطفي لجزء فاعل من النخبة بها، ستتمكن من تعزيز مصالحها في الجزائر، والجزائر تعتقد أنها يُمكن أن تبني اقتصادها وتحقق التطور لديها بناء على ما يربطها من علاقات متميزة مع الطرف الفرنسي يتغلب فيها جانب الميل العاطفي لدى النخبة الحاكمة للتعامل مع المستعمر القديم على جانب العلاقات البراغماتية التي ينبغي أن تحكم العلاقات المتوازنة بين أي بلدين…

سؤال واحد بإمكاننا أن نَزِن من خلاله هذه العلاقات ونعرف طبيعتها وما إذا كانت براغماتية مبنية على الندِّية والمصالح المشتركة أم يحكمها منطق التعامل المُغلَّف بذلك الطابع التاريخي للمستعمر القديم، وذلك البعد الثقافي الناتج عن هيمنة الثقافة الفرنسية: هل يتم التعاطي مع الملفات المختلفة بعيدا عن العاطفة؟

برغم أن العلاقات الدولية تقوم على المصالح المتبادلة والندِّية في التعامل، إلا أننا نلاحظ غير ذلك في جانبها الجزائري ـ الفرنسي. هناك نوع من هيمنة الجوانب غير العقلانية على العلاقات بين البلدين، لا نستطيع أن نفسرها إلا بالتأثير المباشر لهيمنة الثقافة الفرنسية على النخبة الحاكمة في الجزائر وتعلقها المستمر بها، بعيدا عن البراغماتية في هذا المجال، وبشعور النخبة الفرنسية بأنه يمكنها أن تستمر في تسيير ملف العلاقات الدولية الجزائرية ـ الفرنسية من مختلف جوانبه انطلاقا من العلاقة الثقافية القائمة بين البلدين…

هل يقبل مثلا الطرف الفرنسي الرسمي، أن تكتفي الجزائر في مجال المنتجات الزراعية الإستراتيجية كالقمح والحليب مثلا؟ هل يقبل أن تُصبح للجزائر صناعة سيارات مستقلة أو قادرة على أن تستقل عن شبكة الصناعات الفرنسية؟ هل لدى الفرنسيين الاستعداد أن نتمكن من التكنولوجيا المتقدمة؟

يبدو ذلك جليا من خلال ما نراه من ربط مُبالغ فيه بين ملفي الذاكرة والتاريخ والثقافة، والعلاقات الاقتصادية والتجارية. في كل مرة يزور وفد جزائري فرنسا أو العكس إلا ورافق تحركهما جانب “من الوجدان” الذي ينبغي أن نتساءل ما الذي يُبقيه حيّا؟ 

هل نحن مضطرون في كل مرة إلى ربط الملفين ببعضهما البعض؟ وأي أبعاد وأي خلفيات لذلك؟ وهل يحدث هذا لفرنسا مع مستعمراتها السابقة؟

يبدو لي أن هناك مشكلة في هذا المستوى ذات طابع بسيكولوجي، لاشعوري أحيانا بين الطرفين، ينبغي أن تُحَل. ومادامت هذه المشكلة قائمة فإن العلاقات بين البلدين لن تُبنى عل أسس براغماتية صحيحة وطويلة المدى تُمكِّن البلدين من التنافس على مراتب القوة وفق قواعد سليمة ومتعارف عليها.

وهذه المشكلة ينبغي أن نعترف بأنها لا تتعلق بالطرف الفرنسي وحده، بقدر ما تتعلق أساسا بذلك الطرف الجزائري الرسمي الذي مازالت لديه القابلية للاستعمار. أي الطرف الجزائري الممثل للمؤسسات الرسمية المقابل لنظيره الفرنسي على الأقل، هو الذي مازال يتصرف في كثير من ممارساته بعاطفة “غريبة” تجاه الآخر لا تعكس في الغالب، أن له تاريخا وشخصية وحضارة، أو أنه انتصر في حربه التحريرية ولم ينهزم فيها.. وهي مشكلة داخلية معروفة نقاشاتها ليس هنا مجال الخوض فيها.

أما الطرف الفرنسي، فإنه في هذه المعادلة، وإن تعامل مع الجزائريين ببراغماتية لا مجال للتاريخ والماضي فيها، فإنه يَبقى ضمنيا غير راغب في تعديل ميزان القوة الحقيقي بين بلده والجزائر لصالح هذه الأخيرة، بحكم اعتبارات لا يمكن أن نطلق عليها سوى الصفة الذاتية أيضا، رفض الاعتراف بالانهزام ذات يوم في المعركة التي خاضها أمام الجزائري رغم كل ما سخَّره من وسائل واستخدمه من أساليب.. هل يقبل مثلا الطرف االفرنسي الرسمي، أن تكتفي الجزائر في مجال المنتجات الزراعية الاستراتيجية كالقمح والحليب مثلا؟ هل يقبل أن تُصبح للجزائر صناعة سيارات مستقلة أو قادرة على أن تستقل على شبكة الصناعات الفرنسية؟ هل لدى الفرنسيين الاستعداد لأن نتمكن من التكنولوجيا المتقدمة التي ترفع من تنافسيتنا في هذا المجال أو ذاك؟

إنها حقا أسئلة بديهية، ولعلنا جميعا نُدرك أيضا أن الأجوبة عنها بديهية أيضا، ويجب أن تسبق أي بداية للنقاش، بعيدا عن كل مجاملة دبلوماسية أو هروب من حقائق التعامل الدولي الذي يعرفه العالم اليوم.

لذا، فإنه من الموضوعية اليوم وبعيدا عن العاطفة أن نقول، إن الجزائر وفرنسا ينبغي أن يتصرفا كبلدين شريكين بعيدا عن ثقل التاريخ والذاكرة وشَخصَنة العلاقات، إذا أرادا أن ينجحا في معاملاتهما. إن ضعف كليهما هو الذي يبقي هذا الاتجاه قائما.. ينبغي أن يتصرفا كفاعلين في العلاقات الدولية، كل له خصائصه ومكانته، نقاط قوته وضعفه، يمكن أن يتكاملا كما يمكن أن يُنافسا بعضهما البعض وأن يغيرا موازين القوة بينهما بما لديهما من إمكانيات وقدرات مختلفة، ضمن قواعد التنافسية العالمية وفي جميع المجالات. ولعل مشكلتنا هي هذه مع أي حكومة فرنسية، نسعى إلى وضع علاقتنا ضمن قالب (الصداقة) و”الجوار” و”الثقافة المشتركة” أي ضمن قوالب (عاطفية)، ما فتئت تؤدي إلى مزيد من النتائج السلبية للبلدين: من جهتنا فشل واضح في بناء اقتصادنا، ومن جهتهم هجرة متزايدة إلى بلدهم وتطلع إلى الاستقرار هناك ما دامت “هناك” الثقافة الفرنسية الحقة والجامعات الحقة والمستشفى الحق والسكن الحق، والاستقرار الحقيقي، وما دام ليس هنا سوى ظلال هذه الأشياء أو ما يشبهها على حد تعبير أفلاطون عند تمييزه بين العالم الحقيقي والعالم المزيف لتلميذه “غلوكون” عندما سأله عن العالم المثالي الذي يتطلع إليه.

ولعل فرنسا ذاتها ستعاني أكثر من نتائج هذه السياسة، حيث ستزداد وتيرة الهجرة إلى هناك بمختلف الأساليب، وبدل أن يتم تحقيق هدف إبقاء الجزائريين ضمن هيمنة الثقافة الفرنسية في الجزائر، سيصبح المجتمع الفرنسي معرضا لهيمنة جاليات مسلمة جزائرية وغيرها غير قابلة للاقتناع بمبادئ المجتمع اللائكي أو حتى المسيحي، في فرنسا. وعندها بدل أن تؤدي السياسة الحالية (البعيدة عن البراغماتية) إلى زيادة قوة البلدين أو تحقق مزيدا من القوة لبلد على حساب الآخر كما يبدو للطرف الفرنسي في مفاوضاته الحالية، ستضعفهما معا من خلال التأثير السلبي المتبادل. حيث سينعكس الانتصار المؤقت للسياسة الفرنسية القائمة على منع الجزائر من امتلاك عناصر القوة المستقلة (اللغوية والثقافية والاقتصادية)، بالضرورة وعلى المدى القريب، على المجتمع الفرنسي من خلال سعي متزايد للهجرة وللاستقرار في المركز وفرض نمط آخر للحياة على المجتمع الفرنسي.

ما يجعلنا نصل إلى نتيجة تقول إن العلاقة بين البلدين وفق القواعد السائدة اليوم، وإن بَدَت في صالح الطرف الفرنسي (ثقافيا واقتصاديا)، وإن تم إعطاؤها غلافَ العلاقات المتميزة بالصداقة و”المحبة” أحيانا، وإن اعتبرها الطرف الجزائري “عادية” تصب في مجال تحقيق التنمية الاقتصادية وتعزيز العلاقات الثقافية بحكم التاريخ والواقع، فإنها على المدى القريب والمتوسط ستحقق نتائج سلبية على البلدين وستُضعف مقومات القوة لديهما معا لصالح أطراف أخرى بإمكانها الاستفادة من ذلك.

وعليه، تستدعي المصلحة المشتركة بين الطرفين اقتناع الطرف الفرنسي بداية بأن عليه التعامل مع الجزائريين بعيدا عن البعد الثقافي المتعلق بالنخبة الحاكمة والمهيمنة بالأساس الذي يعتقد أنها قاعدته المفيدة في مفاوضاته المختلفة، وأن يبحث في العوامل الموضوعية بحق، التي من شأنها في ذات الوقت المساهمة في بناء اقتصاد بلدنا النامي وتعزيز استقرار الاقتصاد الفرنسي المتطور، ومن جهة أخرى تعزيز ثقافتنا الوطنية وتمكينها من الترسخ في مجتمعاتها وبلدها، بدل ذلك التثقيف القسري والنشر المستمر للثقافة الفرنسية الذي ليس له من نتيجة سوى تنشئة جيل لا يصبح له أي تطلع سوى العيش في فرنسا، التي عليها أن تتحمل مسؤولية ما إذا كان سيصنع منها بلدا آخر غير فرنسا…

إنها بحق مشكلة معقدة هذه التي تطرحها قضية العلاقات بين فرنسا والجزائر، ليس من السهل الخوض فيها، وليس من السهل معرفة ما إذا كانت مشكلة شريرة حلها لن يطرح إلا مزيدا من المشكلات المعقَّدة…

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
4
  • المحب لوطنه الكاره لعملاء ف

    الورة الفيتنامية بعد الأستقلال قامت بما يسمى تبادل التوصيات مع مستعمرها فرنسا ومحت ادارة فرنسا من الوجود بعد أن كونت ادارتها بالجبال بالتوازي مع الأدارة الفرنسية ،عكس ثورتنا التي أجرت ما يسمى بتبادا السلطة خروج DANIEL وعوضه -عمار-وحافضت علىة نفس الأدارة الأستعمارية الفرنسية ومن عمل فيها حسب اتفاقيات افيان واستفتاء 1 جويلية 1962 -هل أنت موافق على استقلال الجزائر بالتعاون مع فرنسا ؟
    ادن يجب الرجوع لاستفتاء آخر بالموافقة على الأنظمام أو الرجوع الى الأصل أوالأستقلال؟هده مشكلتنا يادكتور

  • جزائري

    الرجاء من الأستاذ قلالة إفادتنا بدراسة التجربة الفيتنامية وقطعها كل أواصر الصلة مع المستعمر الفرنسي مباشرة بعد استقلالها...وكيف نجحت نجاحاً تاماً بفضل ذلك ...ومقارنتها بالجزائر التي اخرجت نفس المستعمر الفرنسي من أرضها ...وأسكنته في روحها وعقلها ولسانها ! ....ولك كل الشكر مسبقاً ....

  • بدون اسم

    أضحكتني كثيرا بقولك(استرجاع السيادة..ومتى استرجع الراعي حقوقه المهضومة من سيده)..

  • صالح بوقدير

    الندية تتنافى مع التبعية
    لايمكن أن يكون التابع يوما ما ندا للمتبوع ولكن المفروض إقناع التابع بوضع حد للتبعية فإنها سر التخلف وسببه أمّاوإنك تحاول إقناع المتبوع بأن مصلحته عكس مايري قد يرى ذلك من باب سوء الأدب لمؤسسات يشرف عليها أساتذة كبار في التخطيط والإستشراف.