الحملة على الإسلام بالوكالة (الجزء الثاني)
تأتي هذه المفاهيم غالبا، تحت شعارات المدارس الأدبيّة المختلفة، متدثّرة برداء التّجديد والحداثة، معلنة الإقصاء والإلغاء والنّبذ والإبعاد لكلّ قديم في الشّكل والمضمون، وفي الأسلوب والمحتوى، وكذلك في الدراسات الفكريّة المختلفة في علوم الاجتماع والنفس والعلوم الإنسانية المختلفة، وهي نتاج كبار ملاحدة الغرب وعلمانيّيه وأنّه الحقّ المطلق، بل العلم الأوحد ولا علم سواه؛ فالقراءات الحداثية لا تريد أن تُحصِّل اعتقادا من الآيات القرآنية، وإنّما تريد أن تمارِسَ نقدها على هذه الآيات (طه عبد الرحمن، روح الحداثة، مدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية، ط1، المركز الثقافي العربي، المغرب 2006: 176).
من ناحية أخرى: “… ارتبط مفهوم النصّ في المقاربات المنهجيّة التي تناولت النصوص الأدبيّة بنصوص دنيويّة لها طابع إنساني وتاريخي، تنجلي عبرها تجارب بشريّة تاريخيّة، وتنعكس في مرآتها، وقد أدّى الإسقاط الفجّ لنتائج هذه المقاربات إلى القول بتاريخيّة الوحي، ونزع صفة القداسة عنه، وتوظيف مناهج ومقاربات النصوص الأدبيّة لتفسير القرآن ودراسته.” (كريم التايدي، مفهوم النص، ونقد المقاربة التاريخية للقرآن الكريم، مركز تفسير للدراسات القرآنية، ص 2.
لقد تسلّمت هذه النخب بضاعة الغرب جاهزة، وحوّلتها إلى أيديولوجيا، والدّعوة إلى تبنّيها، مثل احتكام الإنسان إلى العقل، في كلّ ما يحيط به، وفي وجوده وحياته وعلاقاته، فلا يُقبل إلاّ ما يقبله عقله، ويرفض ما لا يقبله، وبالتالي يكون العقل هو أداة الحكم على كلّ شيء، وبالنتيجة، يمكن تجاوزُ الدين وإقصاؤه، والاستهزاء بأصوله وقواعده. بمعنى آخر، فإنّ المقاربات الحداثية عموما، تعمل على تنحيّة الإله وإحلال الإنسان محلّه من أجل اكتشاف الدّلالة أو المعنى اقتداء بالفكر الغربي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ومن خلفه.
من هذا التمثّل، يقول أحدٌ من بني جلدتنا في سياق حديثه عن منهجه في أحد كتبه: “… الأصوب والأقرب عندي أن نقرن بين الديانات الرساليّة الثّلاث أو نقارب بينها، على اعتبار أنّها تجلياتٌ ثلاثة لجوهرٍ دينيّ واحد.. وتلك هي القاعدة الأساسيّة التي تقوم عليها فصول هذا الكتاب، وهي بطبيعة الحال قاعدة مناقضة تماما للدّعوى التي يقوم عليها ذلك المسمَّى علم مقارنة الأديان” (يوسف زيدان، اللاّهوت العربي وأصول العنف الديني، دار الشروق مصر،30:2009). إنّها الفكرة التي أطلّت علينا في عهد ” ترامب” تحت مسمّى “البيت الإبراهيمي” أي صهر الأديان السماويّة الثلاثة (الإسلام والمسيحية واليهودية) في دين جديد واحد.
لقد قال الكاتب نفسُه: “… إنّ المسجد الموجود في مدينة القدس، ليس هو المسجد الأقصى، وإنّ القدس، ليس مكانا مقدّسا”. وبذلك، نقض أسباب الشرعيّة الدينية تبعا لذلك للمعركة من أجل فلسطين. والجدير بالإشارة، أنّه يُجاري قول الصهيوني “مردخاي كيدار” أمام الكنيست في جويلية 2009م: “… إنّ القدس يهوديّة، والمسجد الأقصى مكانه “الجعِرّانة”، والطائف، وليس فلسطين أو القدس” وأعاد كلامه في برنامج “الاتجاه المعاكس” لقناة “الجزيرة” يوم 12/12/2017م. كذلك، انتقد الكاتب شخصيّات إسلاميّة، منها قوله في ماي 2017م: “… أنّ صلاح الدين الأيوبي أحقرُ شخصيّة في التاريخ الإنساني، وأنّه قد أحرق مكتبة القصر الكبير”. والمعروف، أنّ المكتبة لم تحترق من الأساس، ولكنّها نُهبت من قِبَل بعض الفاطميّين وأعوانهم.
هناك كاتب آخر، ذهب بعيدا، ويعرّف نفسه بأنّه “مُعتزلي” إذ يقول: “… إنّ الإسلام ما هو إلاّ امتدادٌ للأساطير والوثنيّات السّابقة كعبادة الإله بعل إله القمر، لذلك جاءت العبادة العروبيّة عبادة قمريّة، وتحتفظ إلى اليوم بقدسيّة القمر، فالشهور قمريّة، والتاريخ قمري، والصيام قمري، والزّمن العربي كلّه قمري (سيد محمود القمني، ربُّ الزمان ودراسات أخرى، ص 168). وفي مؤتمر أقامته منظّمة أدهوك البلجيكية العام 2016 تحت عنوان: “جذور وأسباب العنف الإسلامي- العلمانية هي الحل” ألقى هذا الكاتب محاضرة انهال فيها على كلّ ما يُمتّ بصلة للإسلام من بينها قوله: “… الإسلام نشأ في منطقة من أفقر مناطق العالم، كان الناس يأكلون لحوم بعضهم… هذه البيئة أفرزت أكلة لحوم البشر، الأرض بالنسبة للبدو شيء لا قيمة له (!)، البدو هم الذين اخترعوا ربّ السماء! حتى يصبح الوصول إليه مستحيلا، ثمّ اختاروا شخصا منهم –إشارة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم– يتحدّث إلى ربّ السماء مباشرة، وإنّ محمّدا بالنسبة لهم ليس بملك، وإنّما هو الوسيط بينهم وبين ربّ السماء!”.
وخلال استضافته على قناة “أون تي في” تحدّث عن الفتوحات الإسلامية للدول المختلفة، ومن بينها مصر، وصفها بأنّها “احتلال عربي واستيطان باسم الإسلام، ولم تكن بغرض نشر الإسلام، لأنّ الفاتحين عرضوا الإسلام أو الجزية أو القتل”. (بابكر فيصل، حوار مع سيد القمني بتاريخ 8/9/2021).
في مؤتمر أقامته منظّمة أدهوك البلجيكية العام 2016 تحت عنوان: “جذور وأسباب العنف الإسلامي- العلمانية هي الحل” ألقى هذا الكاتب محاضرة انهال فيها على كلّ ما يُمتّ بصلة للإسلام من بينها قوله: “…الإسلام نشأ في منطقة من أفقر مناطق العالم، كان الناس يأكلون لحوم بعضهم… هذه البيئة أفرزت أكلة لحوم البشر، الأرض بالنسبة للبدو شيء لا قيمة له، البدو هم الذين اخترعوا ربّ السماء! حتى يصبح الوصول إليه مستحيلا…”!
وفي حوار آخر، قال: “… تمنّيتُ لو أنّ عمرو بن العاص لم يدخل إلى مصر؛ أعتقد أنّ تاريخ المنطقة كلّها كان سيتغيّر تماما آنذاك، فمصر عندما كانت تُحتلّ كان ذلك يتمّ على أيدي متحضّرين… عندما دخل الاسكندر مصر أبقى على جيشه خارجها… هذا المثقّف الذي علّمه أرسطو، لم يقل إمّا زيوس أو الجزية أو القتل… الرّوم أيضا أضافوا لمصر وأكملوا المكتبة بعدما تمّ حرقها، أمّا عمرو بن العاص فوقف على الحدود وطلب ثلاثة أشياء إمّا الإسلام أو الجزية أو القتل”.
وأضاف قائلا: “… أنا لا أنظر إلى القرآن بوصفه كتابا في الفيزياء أو التاريخ، إنّما هو كتابٌ في العقائد والأحكام المجتمعية. ومن هنا ألجأ للقياس على المعتزلة فهم قالوا بحكم العقل إذا تعارض مع نصّ، وأنا أقول بحكم الوطن إذا تعارض مع نصّ، لقد قال محمد عبده إنّه عندما تتعارض المصلحة مع النص تتقدّم المصلحة على النص، ولكن كي يطمئنّ قلبي على إيماني أقول إنّ ما جاء من حكايات وقصص في القرآن حول تراث المنطقة الوطني أو القومي، والذي يتضارب مع أمانينا اليوم، كان له ظرفه التاريخي.(حنان عقيل، حوار مع القمني، جريدة العرب، بتاريخ 11/12/2016.
إنّ هذه المساعي، تصبّ في خدمة المشروع الثقافي الأمريكي والغرب عموما، مشروع خامره منذ قرون، وبخاصّة في فترة هيمنته على المجتمعات العربيّة، وعمل ولا يزال على إناطة المهمّة إلى بني جلدتنا. وهنا ينبغي التذكير، بما صرّحت به “ألينا رومانوسكي” العام 2003م، حين قالت: “…إنّ المنطقة والأجيال المقبلة ليست في حاجة إلى مزيد من العنف… والولايات المتحدة ستساعد دول المنطقة على تغيير كل ما يدعو إلى تعميق الحقد والكراهيّة في المناهج التعليمية… وتسعى إلى تغييرها بما يؤدّي إلى تكريس التّسامح والإخاء بين شعوبها”. ثمّ، جاء المؤتمر الذي عُقد في ولاية فلوريدا في 5 و6/03/2024 تحت عنوان “الإسلام والعلمانيّة”، وأشرف عليه المحافظون الجدد في أمريكا، وخلاله جرت مناقشة التفسيرات العلمانيّة للإسلام والقرآن وضرورة الإصلاح الثقافي وتغيير الفلسفة الإسلامية وبناء ثقافة إسلاميّة عصرية.
ولا شكّ، أنّ ما يسمّى مؤسسة “تكوين” التي تأسّست في القاهرة بعد شهر من هذا المؤتمر، وتحديدا في 04/05/2024 جاءت لتفعيل المشروع الثقافيّ الذي ترومه أمريكا، وعبّر مؤسّسو “تكوين” عن أهدافهم المتمثّلة في دعم الفكر “المستنير والإصلاح الفكري” عفوا “الخَبَل الفكري” وتمهيد السّبيل نحو فكر عربي مستنير يقوم على قاعدة فكريّة رصينة ومتّزنة… وإرساء قيم العقل والاستنارة والإصلاح والحوار وقبول الآخر والإيمان بمبادئ السّلام العالمي بين المجتمعات والثقافات والأديان. باختصار، استنارة، تتبطّن قول أبي نواس:
دَعِ المساجد للــعُبّاد تسكنــها وطُفْ بنا حول خمّارٍ ليسقينـا
ما قال ربُّك ويْلٌ للذين سكروا ولكن قال ويــل للمـصلّينا
أخيرا، حريٌّ بنا التذكير، بفتوى “محمد بن محمود” (1775-1850) المعروف بـــ”ابن العنابي” المفتي الحنفي الجزائري، والمُجدّد في كتابه “السّعي المحمود في نظام الجنود” العام 1827م؛ إذ لخّص كيف وما يجب أخذه من منجزات الغرب، في ثلاثة شروط، هي: وجود الأصل، والنيّة، والترجيح. وكان مؤمنا بأنّ النّهوض لا يتحقّق عن طريق ما ترثه الأمّة عن سلفها فقط، وما كان ينشده، هو تجاوز الوضع المزري في العالم العربي/ الإسلامي، عبر الأخذ بأسباب التقدّم من خلال التّفاعل مع حضارة الآخر، متّخذا الواجب الشّرعي معيارا ومرجعا.
وعليه، طوبى لجيل “ابن العنابي”، ومثله الأمير “عبد القادر بن محي الدين” و”ابن باديس” و”محمد بن مصطفى الخوجة”.. الخ. أمّا أمثال من أتينا على ذكرهم، ومثلهم كُثرٌ، فإنّ ما يخطّونه أو يتفّوهون به عبر القنوات لا يكتسي طابع الجرأة، لأنّ ذلك ليس من بنات أفكارهم، بل، استنساخ ونقل لأحكام وأفكار ونظريات ومقاربات من ولّاهم للقيام بهذهال مهمّة، بمن فيهم الصهاينة، إذ وفّروا لهم المادّة لكتاباتهم المشكّكة في القرآن الكريم، والنبيّ صلى الله عليه وسلّم والأحاديث، وحتّى مكان ومكانة المسجد الأقصى، ويتحاملون على من يسمّونهم “دُعاةَ النقل لا العقل” المُمْسِكين بــ”عفن التاريخ” أمثال شيوخ الأزهر في منظور أحدهم.