“الحور العين”..!!
علق صديقي الصحفي الجزائري الشاب _ الذي حدثتكم عنه وعن جلستنا في الحديقة الصغيرة مقابل البريد المركزي، الأسبوع الماضي _ علق على النتيجة التي توصلنا إليها من حوارنا حول مسلسل “ما ملكت أيمانكم” بقوله:
– الغريب أن نجدت أنزور مخرج هذا العمل أورد في رده على اعتراضات الشيخ العلامة محمد سعيد رمضان البوطي أنه سبق له أن أخرج أعمالاً درامية عدة تدافع عن الإسلام وترد عنه هجمات الغرب التي تنسب إليه كل منابع الإرهاب في العالم، وفي مقدمة تلك الأعمال مسلسل” “الحُور العِين”..
– اسمح لي أن أقاطعك للحظات.. حتى أشكرك على صواب نطقك لهذا العنوان من القرآن الكريم.. فقد وجدت 90 % من الصحفيين الشباب في المشرق العربي يخطئون في نطقه، فهو حيناً: “الحَوَر العَيْن” وتارة: “الحِوَر العَين”.. ولا تسأل _ أيضاً _ عن جهلهم بمعنى هاتين الكلمتين..!! والآن يا صديقي.. هل شاهدت مسلسل “الحُور العِين” هذا كاملاً..؟
– نعم.. وقد وضع صُنّاعه نصب أعينهم _ حسبما يدعون _ أنهم يحاربون “الإرهاب” المتخفي خلف أستار الدين الإسلامي الحنيف، ويقوم بتدمير المجتمعات العربية والإسلامية، كما يمتد بأذاه إلى المجتمعات “الحضارية” الغربية دون وجه حق..!!
– هذا هدف كبير لا يختلف عليه اثنان.. وما أجدر الفنون بوسائلها ذات التأثير السحري في تسليط الضوء على مثل هذه الظواهر الخطيرة.. ولكن..
– ولكنْ.. دعني أقص عليك ما وصلني من مضمون هذا المسلسل العجيب..!! لقد وضعنا على الصعيد الاجتماعي في أجواء عمارة تسكنها أسر تنتمي إلى بلدان عربية عدة.. ولكل أسرة منها حكاية إنسانية، أو عاطفية. وفي مقابل ذلك خط بوليسي (آكشن) يتمثل في مجموعة من الإرهابيين يقومون بالإعداد لتدمير تلك العمارة على رؤوس ساكنيها انتقاماً لابتعادهم عن الدين القويم حسبما يفهمه هؤلاء الإرهابيون التابعون لحفنة من “المتشددين” الغارقين في ضيق الأفق حتى الذقون.. ثم ينجحون في تحقيق هدفهم الإجرامي ذاك.. لنرى _ بعد ذلك _ انعكاسات هذا الحدث المروع على حياة تلك الأسر العربية..!! ثم نتابع تحقيقات الشرطة مع الإرهابيين الذين ألقي القبض عليهم، ليتم التركيز على إجابة واحدة تتردد على ألسنتهم جميعاً على سؤالهم عن الدافع إلى ارتكاب هذه الجريمة: دخول الجنة استعجالاً للحصول على حصتي من الحور العين (النساء البيض نجل العيون حسانها) اللواتي وعد الله بهن الشهداء.. والصالحين من عباده..!!
وهكذا يصل بنا صناع هذا المسلسل إلى تبرير “عنوانه”.. وحصر أسباب ظاهرة الإرهاب _ الذي يلصق بالدين الإسلامي ظلماً وعدواناً _ في سبب وحيد أقرب إلى السخرية والهزء بعقول الناس، وهو أن القائمين عليه والمنفذين له ليسوا سوى جماعة من المجوعين جنسياً، المهووسين باستعجال المتعة مع نساء الجنة الموعودة!!!
وفي هذا التفسير _ اسمح لي _ “التافه” إساءة متعددة الاتجاهات: فهي إساءة بالغة للدين الإسلامي القويم في جانب أساسي من العقيدة حول الحياة الآخرة.. وإهانة للعقل العربي والإسلامي، إذ تقدم إليه ظاهرة بمثل هذه الخطورة بكل هذه السذاجة والحماقة..!! وتواطؤ مع الأنظمة العربية الفاسدة التي لا تريد للناس أن يعرفوا “أدوارها” في الإساءة إلى شعوبها ظلماً وقهراً، وهزائم متلاحقة، وإفقاراً، ونهباً للثروات، وتآمراً عليها مع الأجنبي، وغربة للروح في عالم من الأكاذيب والترهات..!! كل هذه الحقائق _ التي لو شخصت بجرأة وصدق، لتمكنا من القضاء على ظاهرة الإرهاب، بكل صورها وأشكالها _ يراد لها أن تختفي وراء عنوان ساذج ساخر ماكر: الهوس الجنسي بالحور العين..!!
– ليس هذا النوع من التدليس الفكري بجديد يا صديقي..!! فقد سبق لعتاة المستشرقين أن سوقوا لمثل هذه الفرية الساذجة.. وأذكر من هؤلاء المستشرق اليهودي “برنارد لويس” في كتابه: “الحشاشون” الذي يؤرخ به للفرقة المتشددة التي أسسها “الحسن الصباح” في قلعة “ألموت” أيام الحكم السلجوقي الموازي للحروب الصليبية (أواخر القرن 12 _ أوائل القرن 13 الميلادي).. فقد روى _ كاذباً _ أنّ أفراد تلك الفرقة التي روعت الفرنجة بـ”إرهابها”، كانوا يتعاطون الحشيش بأمر من زعيمهم، فإذا غابوا عن الوعي.. أمر بنقلهم إلى وادٍ في أسفل القلعة يشبه “الجنة”، ليجدوا أنفسهم _ حين يستيقظون _ في أحضان الحور العين.. يقضون لذائذهم لأيام معدودات.. ثم يعادون إلى زعيمهم بالطريقة نفسها، ليأمرهم بالقتال حتى الموت.. حتى يستحقوا العودة إلى أحضان “الحوريات” ساحرات الجمال..!!
– لقد قرأت رواية “سمرقند” للكاتب أمين معلوف.. وفيها تناول تفصيلي لفرقة الحسن الصباح وقلعة “الموت”.. ولم يذكر أيّ شيء من هذا القبيل.. ولو كانت هذه “المعلومة” صحيحة لما أغفلها كاتب الرواية..!!
– هذا صحيح يا صديقي المدهش بثقافته رغم حداثة سنه..!! ثم إننا لو عدنا إلى ميزان “الفنّ”.. وعرضنا عليه مسلسل “الحور العين” هذا.. لوجدنا أحكاماً نقدية لا ترحم مثل هذا العبث الفاضح بالقيم الفنية؛ حيث لا بناء درامي متماسك، ولا شخصيات مرسومة بدقة..!! ولو شئت أن تعرف فداحة الجهل الفني في هذا العمل الملفق، فما عليك إلا أن تشاهد الفيلم الرائع “عمارة يعقوبيان” المأخوذ عن رواية لأديب متمكن هو الروائي علاء الأسواني، وذو السيناريو والإخراج المدهشين؛ فهؤلاء مبدعون يحترمون فنهم ورسالته العظيمة، لا مجرد رجال جوف، متصيدي فرص غبية، مهووسي إثارة مجانية، ولاعبي أكروبات، فوق جثة الحقيقة، وتوابيت الفن الرفيع..!!