الداعية والسياسي.. قذاف الدم بين القذافي والقرضاوي؟
“القذافي رجل عظيم وأخطاؤه كانت عظيمة كذلك” هكذا تحدث منسق العلاقات الليبية / المصرية والرجل القوي والمقرب من الزعيم الراحل معمر القذافي قبل ثورة الربيع العربي التي سقاها الناتو بقنابله الذكية والغبية والتي أنهت عهد الجماهيرية الذي عمر أربعة عقود من الزمن لدرجة أن الليبيين أو بعض الليبيين ضاقوا ذرعا من هذا الأسلوب في إدارة الحكم والذي لم يحقق الطموحات والآمال التي كانوا يسعون إليها، وهي بالتأكيد غير تلك الآمال التي تربي عليها القذافي ورفاقه على حد تعبير قذاف الدم من خلال الحوار الذي أجرته معه قناة “المحور” المصرية يوم الأربعاء 10 ديسمبر 2013، مباشرة بعدما تحصل على البراءة من العدالة المصرية التي حاكمته بسبب تهمة تورطه في سفك دماء الليبيين وأشياء أخرى لها علاقة بنهب المال العام، وللتذكير تم إلقاء القبض على أحمد قذاف الدم يوم 19 مارس 2012 بمصر في عهد حكم المجلس العسكري وبعدها في عهد الرئيس محمد مرسي، أشاع بعض المغرضين على أن نظام الإخوان أراد أن يعقد صفقة مع السلطة الليبية الجديدة وذلك بتسليمها قذاف الدم مقابل 02 مليار دولار وهذا ما أكده قذاف الدم لصحفية “المحور” التي بذلت كل مهارتها الإعلامية غير المهنية لتفتك مثل هكذا تصريح للإساءة إلى نظام الإخوان الذي يسعى الإعلام المصري بكل جهده وثقله ليصوره على أنه انتهازي ونفعي ولا يتحرج في تطبيق القاعدة الميكافيلية “الغاية تبرر الوسيلة” حينما يتعلق الأمر بمصالحه التي يقدمها على مصلحة الوطن !!..
يقول قذاف الدم إنه قدم استقالته من مهامه ولجأ لمصر بعدما أساء القذافي التعامل مع احتجاجات أبناء سيرت لدرجة المواجهة الدامية وهذا ما كان يسعى إليه الغرب والمتآمرون على القذافي الذي أزعجتهم تحركاته في إفريقيا التي أراد أن تكون سيدة قرارها، كما وأن دوره في دخول القبائل الإفريقية في الإسلام قد أجج عليه رجال الدين المسيحيين الذين حذروا الساسة من تداعيات ذلك السلبية وانحصار المسيحية التي وللأسف كما قال قذاف الدم كثيرا ما استخدمت كأداة للهيمنة والتبعية واستنزاف خيرات الشعوب الإفريقية وهذا ما كان يسعى القذافي التصدي له من خلال التأسيس لاتحاد دول إفريقيا على طريقة دول الاتحاد الاوروبي ولكن تجري الرياح بما تشتهي براميل البترول الليبي الذي حسب رأيي كانت تنقصه الحكمة.
بدأ قذاف الدم في مشهد الحوار التلفزيوني في بدلة ليبية تقليدية أنيقة وفي كامل صحته ونظارته، هادئا ممسكا بسبحة بيضاء بيمينه وكما أنه ذكر محاسن زعيمه الراحل ولم يتنكر لها كلها ذكر كذلك خطاياه وبالخصوص تأخره في مباشرة الإصلاحات السياسية التي وعد بها نجله سيف الإسلام الذي كان قذاف الدم شريكه فيها كما يقول، فالجيل الجديد من الليبيين لم تعد تستهويه الشعارات ومشاريع الوحدة العربية وتحرير فلسطين بقدر ما أضحت تستويه الحياة على الطريق الغربية، كما أراد أن يفهمنا قذاف الدم ولم يشر ولو إشارة خفيفة إلى تطلع الجيل الجديد نحو الحرية والعدالة والنشاط الحزبي التعددي والديمقراطية التي كفرها القذافي في الكتاب الأخضر، وللأسف ورغم الحصاد المر الذي تركته تمائم القذاف إلا قذاف الدم ظهر منحازا ومؤمنا بصلاحية نظام الجماهيرية وميكانيزمات اللجان والمؤتمرات الشعبية التي اعتبرها البرلمان الحقيقي للشعب وليس البرلمان الجمهوري الحديث الذي لا يصل إليه إلا أصحاب المال والنفوذ الذين حسب رأيه لا علاقة لهم بالشعب وبقضايا وهموم المغلوب على أمرهم.
المصالحة والعدالة النزيهة لإنقاذ ليبيا، كانت هي النداءات والعبارات التي رددها قذاف الدم كثيرا وهذا لوقف شلال الدم الذي ينزف يوميا في ليبيا التي فقدت الأمن والأمان والاستقرار والاستثمار الحقيقي الذي وعدت به “الثورة” التي رسمتها قنابل الناتو وبإيقاعات الصهيوني برنار هنري ليفي الذي سيكون في يوم من الأيام رئيسا لإسرائيل على حد تعبيره وحينها تكون الفضيحة الكبرى التي تطارد كل من وضع يده في يده، هذا وقد أبدا “قذاف الدم” استعداده للمحاكمة العادلة الغائبة في ليبيا إذا كانت أي جهة تمتلك مستندات وأدلة تدينه في حق النفس والمال، وهو من أجل بلده مستعد للتضحية وغير خائف من أي شيء أو على أي شيء رغم أن العديد من الدول الأوروبية والإفريقية قد عرضت عليه الإقامة عندها ولكنه رفض كل هذه العروض التي يرى أنها تتعارض مع مبادئه ووفائه لبلده ولشعبه، قال ذلك متحسرا لأن بعضا من رجالات القذافي الذين تخلوا عنه خلال الثورة قد أصدروا مذكرات وكتبا أفشوا من خلالها أسرارا أساءت للقذافي ولليبيا وهنا ربما كان يقصد عبد الرحمن شلقم المندوب السابق للأمم المتحدة في عهد القذافي والذي انضم للثورة مبكرا وألف كتابا بعنوان “أشخاص حول القذافي” وهو هنا ينعتهم بالأشخاص وليس بالرجال متعمدا الإساءة إليهم بسبب المدة الطويلة التي قضوها في خدمة القذافي لدرجة العبودية وتورطهم في الفساد وفي قمع وإرهاب المواطنين ولكن وفي كل الحالات من حق هؤلاء الأشخاص الذين كانوا حول القذافي الدفاع عن أنفسهم والرد على ما سرده الوزير شلقم الذي بالتأكيد يراجع هذه الأيام الكثير من أفكاره وأحكامه وبالخصوص حينما تلاشى حلم بناء ليبيا جديدة وعصرية التي سقطت بين يدي الميليشيات والمتطرفين.
رغم المحاولات المتكررة التي سعن إليها الصحفية المحاورة لضيفها قذاف الدم لانتزاع انطباعات مشينة ومسيئة وسلبية في حق الإخوان الذين أضحوا الشغل الشاغل لكسب أي معركة ضدهم ولو بنصف كلمة، إلا أن قذاف الدم لم يخجله كرم الضيافة المصرية لدرجة الابتذال وهو السياسي الذي عمر طويلا في أداء مهامه الداخلية والخارجية، فلقد كان منتبها وحريصا على عد التورط في استعداء الإخوان رغم الوضع الذي هم عليه لإدراكه بأن حضورهم وانتشارهم وثباتهم لا يمكن بأي حال من الأحوال اقتلاعه أو القضاء عليه مهما كانت وسائل القمع التي تمارس ضدهم، بل بالعكس قد أنصف قذاف الدم الإخوان ونفى أن تكون هناك أي حساسية بينه وبينهم ومن أنه كان يحضر مجالسهم في عهد مرشدهم السابق مهدي عاكف ومن “أن الإخوان كانت لهم زيارات عديدة لليبيا لإلقاء الدروس بالجامعات الليبية وبأن الرئيس محمد مرسي نفسه كان من الذين درسوا بجامعات ليبيا..”، وهنا لا بد من التنبيه على أن قذاف الدم قال في حديثه: “الرئيس محمد مرسي” ولم يقل الرئيس السابق أو المخلوع كما يحلو للبعض محمد مرسي !! وحينما تواصل الحديث سألته الصحية ما إذا كانت له علاقة قريبة بمحمد مرسي أو التقى به في السابق، رد بالقول: “لم يحدث ذلك للأسف ولم أحظ بهذا الشرف!!”، وهنا مرة أخرى يجب التوقف عند عبارات التقدير والاحترام التي استخدمها قذاف الدم في حق الدكتور مرسي وهي بالتأكيد عبارات ثقيلة على أذن أعداء الإخوان الذين لا يتركون أي رذيلة إلا ونسبوها للإخوان وكأنهم ليسوا جزءا من الشعب المصري لدرجة اتهامه بالتخابر مع جهات أجنبية في الوقت الذي أنكر واستبعد قذاف الدم أن يكون الإخوان عملاء للغرب أو خونة لبلادهم، ولم يتوقف قذاف الدم عند هذا الحد بل ذهب إلى ما كنا لنتوقعه وهذا عندما دافع في “حصة 90 دقيقة بقناة المحور المصرية” عن الشيخ القرضاوي الذي أفتى بجواز قتل الزعيم معمر القذافي، وقال بأنه لا يجوز ولا يليق أن يقال عن هذا الشيخ الجليل نعم الشيخ الجليل هكذا قال بأنه من “قبيلة بني قريضة اليهودية”، ومن أن فتاواه السياسية التي أطلقها في المدة الأخيرة لم تكن موفقة وما كان له ليتورط في ذلك كداعية، يقول قذاف الدم هذا الكلام في حق من أبدى العداء والعداوة لنظام القذافي واستباح دمه والغريب أننا لم يقل ولو نصف كلمة تقلل من قدر القرضاوي أو تتهمه بما ليس فيه، كما يفعل العديد ممن لم يصبهم أي مكروه من القرضاوي من بعيد أو من قريب، وهذه اللغة التي استخدمها قذاف الدم بلا شك تحسب له لا عليه والأغرب أن قذاف الدم كثيرا ما كان يوصف على أنه سفاك دماء لا يرحم، فهل بخطابه الدبلوماسي هذا الذي توسع ليشمل الثناء حتى على أعداء ليبيا القذافي؛ المملكة العربية السعودية ودورها في اتحاد دول الخليج العربي وعن حق ومشروعية إيران في امتلاك القدرات النووية والتنبيه لمخطط إشعال الحروب الطائفية والمذهبية بين الدول الإسلامية (سنة/ شيعة)، يريد أن يسوق لنفسه على أنه الرجل المناسب لقيادة ليبيا مستقبلا وأنه القادر بحكم خبرته وتجربته الطويلة في الحكم على إخراج ليبيا من محنتها الدموية أم أننا أمام سيناريو آخر من التضليل السياسي والإعلامي؟