الدروس المتأخرة تحت المجهر… وخطة استدراك في العطلة
طلبت وزارة التربية الوطنية من مديريها التنفيذيين، من خلال رؤساء المؤسسات التربوية للأطوار التعليمية الثلاثة، ضرورة البدء في إنجاز “تقييم شامل” لوضعية الدروس المقدمة للتلاميذ طيلة الفصل الدراسي الأول من السنة الجارية، من خلال الارتكاز على ثلاثة عناصر أساسية، وعلى ضوء النتائج المحققة من العملية التقويمية، سيتم اتخاذ قرارات بيداغوجية هامة، تقضي وجوبا باستغلال الأسبوع الأول من العطلة الشتوية، إما لتقديم دروس دعم وتقوية للمتعلمين، خاصة للمترشحين المقبلين على اجتياز الامتحانات المدرسية الرسمية، وإما لبرمجة حصص للاستدراك.
وفي تعليمات، صادرة عنها بتاريخ 27 نوفمبر الفائت، حاملة لرقم 252، أبرزت المديرية العامة للتعليم، بأنه في إطار متابعة تنفيذ البرامج الدراسية وتقدير نسب إنجازها للمراحل التعليمية الثلاث “ابتدائي ومتوسط وثانوي”، فإن مديري المؤسسات التربوية مطالبون وجوبا، ومن خلال الأساتذة، بموافاتها بما تم تقديمه خلال الفصل الأول للتلاميذ من دروس وحصص في كل مادة تعليمية وحسب كل مستوى، وتحميلها عبر النظام المعلوماتي للأرضية الرقمية.
ودعت نفس المديرية مديريها الولائيين إلى أهمية الحرص التام على تكليف رؤساء المؤسسات التربوية، بالتنسيق المباشر مع الأستاذ المنسق لكل مادة تعليمية، بملء المعيطات الخاصة بوضعية تقدم البرامج الدراسية، وذلك قبل تاريخ 15 ديسمبر الجاري كآخر أجل.
ولفتت المديرية العامة للتعليم أن عملية متابعة وتقييم ما تم تقديمه من دروس وحصص للتلاميذ خلال الثلاثي الأول، لا بد أن تجرى من طرف الفريق التربوي، والذي سيكون ملزما بتنفيذ الخطة بالارتكاز على 3 عناصر أساسية، ويتعلق الأمر بتحديد بدقة عنوان آخر ميدان أو مقطع تعلمي منجز أو قيد الإنجاز والذي ورد في مخططات التعلم.
كما أن الفريق التربوي مدعو للانخراط في مهمة ضبط عنوان آخر مورد تعلمي مستهدف بالبناء والإرساء في المقطع التعليمي، فضلا عن تسليط الضوء بشكل خاص على عدد أسابيع التأخر بالاعتماد على مخططات التعلم السنوية لكل مادة تعليمية.
وفي حالة تسجيل أي تأخر في تنفيذ البرنامج الدراسي في أي مادة تعليمية، فإن المؤسسات التربوية مطالبة وجوبا بوضع مخطط وبرنامج للاستدراك يكون قابلا للتنفيذ والتجسيد على أرض الواقع، لأجل أن تتحول هذه الحصص من مجرد “استدراك” إلى “مرافقة تربوية” تُعيد الثقة للتلميذ وتُنمّي لديه دافعية التعلّم.
ونظرا لما تكتسيه العملية من أهمية بالغة، وجهت المديرية ذاتها تعليمات لمفتشي المواد والمديرين، تحثهم من خلالها على ضرورة مرافقة لأساتذة في تنفيذ مخططات التعلم بكل دقة.
دروس الدعم… آلية ضرورية لتعزيز مكتسبات التلاميذ
وفي سياق ذي صلة، أشارت مصادر “الشروق” إلى أنه وفي خضم النقاش المتجدد حول فعالية البرامج التربوية وجودة التحصيل الدراسي، تبرز حصص الدعم والمعالجة البيداغوجية خلال الأسبوع الأول من عطلة الشتاء، كآلية ضرورية لتعزيز مكتسبات التلاميذ، وسدّ الفجوات التعليمية التي قد تتراكم خلال الفصل الأول.
ورغم أنّ العطلة تُعدّ موعداً للراحة واستعادة النشاط. ولذا فإن تخصيص أسبوع منها للعمل البيداغوجي المركز يمثل استثماراً ذكياً في الزمن المدرسي، ويُظهر وعياً متقدماً بأهمية المعالجة المسبقة لتفادي أي تأخر قد يؤثر في مسار التلميذ طيلة السنة الدراسية.
وعليه، فإن المدرسة الجزائرية، كغيرها من المنظومات في العالم، تواجه تحديات مرتبطة بتفاوت مستويات التلاميذ، واختلاف قدراتهم على استيعاب الدروس بوتيرة واحدة.
وهنا تبرز حصص الدعم كركيزة أساسية لتكافؤ الفرص، إذ تمنح التلميذ الذي يعاني من صعوبات تعلّمية فضاءً تربوياً آمناً، يسمح له بإعادة بناء فهمه، ومعالجة النقائص قبل الانتقال إلى وحدات جديدة تزيد من حجم الفجوة. فكلما تمّ التدخل مبكراً، كانت نتائج المعالجة أفضل وأكثر استدامة.
وخلال هذا الأسبوع الخاص، يُعاد تنشيط الدروس الأساسية في اللغات والرياضيات والمواد العلمية، بشكل مبسّط وهادئ، بعيداً عن ضغط البرنامج اليومي والسباق مع الزمن الذي يعيشه المعلم في الأيام العادية. كما تسمح هذه الحصص للمعلم بأن يركّز على كل تلميذ على حدة، ويخصّص وقتاً أكبر لمتابعة تقدمه، وهو ما يصعب تحقيقه داخل القسم المكتظ خلال الأسابيع العادية.
تحسين نتائج الاختبارات الموالية عبر حصص التقوية المجانية
وتشير تجارب ميدانية عديدة إلى أنّ أسبوع الدعم في عطلة الشتاء يساهم بشكل واضح في تحسين نتائج الاختبارات الفصلية الثانية، لأنّه يأتي في لحظة حسّاسة من الموسم الدراسي، فالتلميذ يكون قد أنهى الفصل الأول، وبدأت تتضح نقاط ضعفه وقوته، والمعلم أصبح يمتلك رؤية دقيقة حول المستويات داخل قسمه، لذلك يكون التدخل أكثر نجاعة، موجهاً ومبنياً على معطيات واقعية، وليس اعتباطياً أو عاماً.
ومن جهة أخرى، تمنح هذه الحصص فضاءً لمراجعة طرائق التعلّم وليس فقط مضامين الدروس. فالكثير من التلاميذ يعانون من ضعف في مهارات التلخيص، وتنظيم المعلومات، وحلّ التمارين، وفهم الإرشادات والتعليمات، وهي عناصر أساسية للنجاح. بهذا المعنى، يصبح الدعم البيداغوجي فرصة لإعادة بناء المنهجية، وليس مجرد إعادة شحن للمعلومات.
واستخلاصا مما سبق، فإنه لا يمكن تجاهل البعد الاجتماعي والنفسي لهذه المبادرة. فوجود التلميذ في محيط مدرسي هادئ خلال العطلة يضمن له الاستمرارية وينظّم وقته، خاصة للتلاميذ الذين يفتقرون لبيئة منزلية مناسبة للمراجعة. كما تمنح هذه الحصص إحساساً بالطمأنينة للأولياء، الذين يدركون أنّ أبناءهم يحظون بمتابعة حقيقية تساعدهم على تجاوز الصعوبات قبل أن تتفاقم.
الاستدراك لتجنب الصعوبات المتراكمة لدى المتعلمين
ورغم التحفظات التي قد تبديها بعض الأسر حول “استنزاف وقت العطلة”، إلا أنّ أغلب أولياء الأمور يتفقون اليوم على أنّ الاستثمار في أسبوع واحد قد يجنب أبناءهم صعوبات متراكمة، ويمنحهم بداية قوية للفصل الثاني، الذي يُعدّ مرحلة حاسمة لتثبيت القواعد البيداغوجية وبناء المهارات الأساسية.
ذلك أن حصص الدعم خلال الأسبوع الأول من العطلة ليست عبءا إضافيا، بل هي جزء من رؤية إصلاحية شاملة، تُراهن على المرافقة المستمرة، وعلى دعم كل تلميذ للوصول إلى المستوى المطلوب.