“الذين ينظرون إلى الخلف عبر المرآة العاكسة مخطئون “
واصل وزراء الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي تهكمهم على الجزائر وإمعانهم في إهانة الجزائريين، كلما سنحت لهم الفرصة بزيارات رسمية لمستعمرتهم السابقة.. فبعد فضائح وزير الخارجية الأسبق، بيرنار كوشنير، جاء هذه المرة وزير الدولة المكلف بالتجارة، بيار للوش، لـ”يضحك” مرة أخرى على مطالب الجزائريين بتجريم الممارسات الاستعمارية للدولة الفرنسية.
-
بيار للوش، الذي يوجد في زيارة رسمية للجزائر بداية من أمس، رفقة نائب رئيس مجلس الشيوخ الفرنسي، جان بيار رافاران، في إطار المنتدى الاقتصادي الجزائري الفرنسي، دعا الجزائر للتطلع إلى المستقبل و”القطيعة مع آلام الماضي”.
-
وقال الوزير الفرنسي موجها كلامه للمطالبين بتجريم فرنسا على خلفية تورطها في ارتكاب جرائم ضد الإنسانية: “أولئك الذين ينظرون إلى الوراء عبر المرآة العاكسة مخطئون”. واجتهد المسؤول الفرنسي في البحث عن مبررات لهذه الدعوة التي سبقه إليها غيره، ولقيت رفضا من قبل الجزائريين، فقال: إن “65 بالمائة من الجزائريين لا يتعدون 30 سنة من العمر ويفضلون النظر إلى المستقبل بدل العيش بآلام الاحتلال الفرنسي وحرب التحرير، التي مر عليها خمسون سنة”.
-
وليست هي المرة الأولى التي يأتي فيها مسؤولون فرنسيون للجزائر في زيارات رسمية ويستغلون تواجدهم على ترابها، ليذكروا الجزائريين بمآسي الماضي، فبالأمس أباد الفرنسيون بجيشهم المحتل مليون ونصف مليون جزائري، واليوم يضحكون على ذقون الجزائريين ويطالبونهم بنسيان ما فات، والتطلع إلى المستقبل، ويا ريت لو كانت هذه الدعوات قد راعت بروتوكولات الضيوف.. إنهم يتعالون على الجزائريين في تصريحاتهم المثيرة، حتى وهم على أرضها المخضبة بدماء الشهداء، دون أن تحرك الحكومة ساكنا.
-
الجميع يتذكر ما قاله وزير الخارجية الفرنسي الأسبق برنار كوشنير، خلال زيارة ساركوزي للجزائر في 2007، عندما تهجم على واحد من رموز الدولة والثورة، متجاوزا كل حدود اللباقة والأعراف الدبلوماسية، لكن ومع ذلك لم تحرك الحكومة ساكنا في ذلك الوقت، بل رضخت وأبعدت وزير المجاهدين عن مراسيم الزيارة، لمجرد أنه أبدى موقفا من انتخاب ساركوزي خليفة لشيراك.
-
لقد قال كوشنير يومها إنه “لا يعرف عباس ولا يرغب في التعرف عليه، ولا يريد سماع هذا الإسم بتاتا”، لكنه أكمل الزيارة وحظي بالترحاب إلى أن غادر مع رئيسه، والسؤال الذي بقي من دون إجابة إلى غاية اليوم، ما ذا لو صدر هذا الكلام عن وزير جزائري في فرنسا وضد رمز من رموز فرنسا كدي غول مثلا؟
-
ومعلوم أن المسؤول الفرنسي إياه لم يتلق أي عتاب على خطيئته هذه، لا من مسؤوليه في باريس، ولا من مذكرة استنكار رفعها المسؤولون الجزائريون ضده، ولعل أبرز مؤشر على ذلك هو عودته مرة أخرى لإهانة الجزائر ورموزها، عندما قال إن “العلاقات الجزائرية الفرنسية لا يمكن أن تتحسن إلا بذهاب جيل الثورة”، الذي أذل فرنسا وحرمها من “”جنة الجزائر”، كما يسميها المعمرون والأقدام السوداء.
-
إن السلطات الجزائرية غارقة ولا شك في مسؤولية ما يتعرض له رموز البلاد من إمعان في الإهانة والتطاول، على يد من يشدهم الحنين إلى جزائر الأمس، “الجزائر فرنسية”، بوقوفها ضد مقترح قانون تجريم الاستعمار، الذي استوفى كافة شروطه القانونية والإجرائية، وعجزها عن الرد على قانون 23 فيفري 2005، الممجد للاستعمار.. فمن هنا بدأ الجزائريون بإهانة أنفسهم، وكما يقول المثل الشائع: “من يَهُن يسهل الهوان عليه”.