الرحلة الأخيرة.. من “هواري بومدين” إلى “سويداني بوجمعة”
لم تمنع المسافات ولا البروتوكولات ولا التعب، محبي الدا حسين، من الوقوف بالساعات على قارعة طريق هواري بومدين، لتوديع بطل حزن على فراقه الكبير والصغير… تاركا وراءه قلوبا لبست الأسود، وغابت البسمة على وجوههم التي كانت تستذكر كل كلمة قالها الدا الحسين..
الشريط الطويل الذي شكله رجال الأمن والدرك لم يكن ليصمد أمام حناجر شيوخ الزوايا، الذين جاؤوا من تيقزت وأزفون، وجبال القبائل ودائرة عين الحمام لرثاء ومدح من يرون أنه بطل من أبطال القبائل بل الجزائر.. وعيونهم تبكي على رجل لن يعيده الزمن ولا التاريخ، لتبقى مواقفه راسخة في الأذهان والذاكرة.. فيما اختار الشباب شعارات دوت خارج محيط المطار.. تارة مدحا لروح الراحل وتارة أخرى انتقادا للنظام الذي مات الدا حسين وهو معارض له.. واختار المنفى..
في الوقت الذي كان فيه نعش المجاهد الراحل الدا الحسين مسجى داخل القاعة الشرفية لمطار هواري بومدين، ومغطى بالعلم الوطني… كانت أعين المواطنين الذين جاؤوا بالحافلات من عدة ولايات تترقب خروج جثمان الدا الحسين للسير وراءه أو إلقاء النظرة الأخيرة لكن الإجراءات الأمنية المشددة حالت دون ذلك… فأصبح البكاء بكاءين، رحيل دون عودة… وحرمان من إلقاء نظرة على جسد أثقلته هموم الجزائر وحيرة على مستقبل أجيالها.
سيارة إسعاف عادية لنقل الجثمان
الساعة كانت تشير إلى الرابعة والنصف، عندما سار الموكب الجنائزي للراحل الذي أوصى أن يكون مختلفا للجنازات الرسمية التي حظي بها المسؤولون الذين سبقوه إلى الرفيق الأعلى… فكان الموكب الذي سار من مطار هواري بومدين نحو مقر الأفافاس بأعالي العاصمة…. عاديا جدا وكان تحت أعين الأمن والدرك الوطني وفرقة البحث والتدخل ورجال الإطفاء..
واختارت عائلة الفقيد نقل الراحل في سيارة إسعفاء صفراء كانت تسير بسرعة على الطريق السيار الرابط بين الدار البيضاء وبن عكنون.. موكب أخرج الفضوليين الذين كانوا يراقبون بأعينهم… وينتظرون مروره الذي عطل حركة السير بسب غلق المنافذ والمداخل المؤدية إلى مطار هواري بومدين..
شكرا آيت أحمد…
بنفس الحفاوة التي كان يستقبل بها الدا الحسين خلال تجمعاته الشعبية أو جولاته الميدانية أو حتى زيارة قريته الصغيرة المتواضعة بعين الحمام… استقبل مواطنون ومناضلو الأفافاس جثمان الراحل بأعالي العاصمة.. التي كسرت لحظة وصوله هدوء شارع سويداني بوجمعة الذي تزين بالأعلام الوطنية، وتسمر مواطنون لتصوير لقطات تاريخية لرحيل الرجل…
لحظة رفع جثمان الفقيد.. هزت الشارع الذي دوى بشعارات “الدا حسين مازلنا معارضين”… “أسا أزكا الجزائر يلا يلا.. جزائر حرة ديمقراطية”… وغيرها من الشعارات التي كان يتخللها دموع النسوة تارة، وزغاريد أخريات كن يرتدين اللباس القبائلي ويحملن الورود.. لوضعه على جثمان الراحل الذي وضُع في وسط ساحة مقر الأفافاس، محاطا بعائلته وأصدقائه ومناضلي جبهة القوى الاشتراكية الذين قدموا لإلقاء النظرة الأخيرة على الدا حسين، الذي كان يرقد وأصوات الهاتفين لم تكف في ترديد اسمه… في حين اصطف بعض من أفراد الأسرة الثورية حول جثمان الفقيد وتقبيل نعشه والمسح على التابوت..
حدث هذا وسط حضور إعلامي وطني وأجنبي مكثف.. قبل أن يشرع الإمام في قراءة الفاتحة وأدعية على حسين آيت أحمد… وحتى مساء أمس، ظلت وجوه رسمية تتوافد على مقر الحزب، فكان رئيسي الحكومة الأسبقان مولود حمروش وعلى بن فليس أبرز الحاضرين، لكن المناضلين والمواطنين تحفظوا على حضور المسؤولين، وهللوا لفتح أبواب مقر الأفافاس للشعب، لأنهم يعتقدون أن بطلهم الدا الحسين كان شعبيا وسيظل… وألسنتهم تقول “وداعا يا حسين أيت أحمد وشكرا لك..”
أصداء
ـ تنقل مواطنون من كافة بقاع الوطن بقوة إلى مقر الأفافاس لإلقاء النظرة الأخيرة على جثمان الراحل الدا الحسين، ولم تمنعهم المسافة الطويلة ولا الإجراءات الأمنية المشددة من التوافد بقوة إلى مقر حزب القوى الاشتراكية بأعالي العاصمة، وهم يهتفون باسم المناضل الدا الحسين ويعبرون عن محبتهم له.
ـ لفتت الجبة القبائلية نظر الحاضرين إلى مراسيم استقبال جثمان الراحل حسين آيت أحمد، وهو اللباس التقليدي الذي كانت ترتديه النسوة اللاتي تنقلن من ولاية تيزي وزو إلى العاصمة لتوديع الدا الحسين، وهن يبكين ويهتفن باسم الفقيد المجاهد.
ـ عبر المواطنون القادمون من منطقة القبائل عن غضبهم بالتصفير بمجرد دخول والي العاصمة عبد القادر زوخ مقر الأفافاس بأعالي المرادية، وراح الحاضرون يصرخون ويطالبونه بالرحيل، وصفرّوا بقوة ليتدخل القائمون على تنظيم الجنازة من مناضلي الحزب الاشتراكي، ليطالبوا المحتجين بالتزام الهدوء، قائلين إنها “جنازة وكل من يأتي ليعزي فهو مرحب به”.
ـ سادت إجراءات أمنية مشددة مطار هواري بومدين الدولي منذ الساعات الأولى لنهار أمس، وحضر مختلف الأسلاك الأمنية بقوة لتنظيم تنقل الموكب الجنائزي من المطار إلى مقر الأفافاس، وهو ما تسبب في إغلاق شوارع العاصمة والطريق الوطني الرابط بين الدار البيضاء ووسط العاصمة، وبالرغم من أن الموكب لم يكن رسميا، إلا أنه كان مؤمنا بقوة.