الردا والملحفة وتقندورت.. ألبسة تقليدية جزائرية من أصل نوميدي
الجزائر بلاد الحضارات والثقافات. وإلى يومنا هذا، لم ينقطع عن بلدنا شعاع التحضر. فكل مناسباتنا الاجتماعية تنبض بحياة تعود إلى آلاف السنين، إذ تتوارث الأجيال ألبسة ترفض الاندثار. وخلف خيوط الطرز وهيبة الصوف المنسوج، تختبئ “المملكة النوميدية” القديمة في كل التفاصيل. الشروق العربي، تسلط الضوء على تاريخ ألبسة بدأت مشوار حياتها دروعا تقي من قساوة الطقس، وصارت رموزا للهوية والثقافة.
تعتمد الأزياء التقليدية الجزائرية ذات الأصول النوميدية على المبدأ العريق، المتمثل في اللباس المسترسل أو الدرابيه المثبت بالخلالات المعدنية، بالإضافة إلى استخدام البرنوس أو العباءة. هذه الملابس التاريخية، التي ميزت الشعوب الأمازيغية القديمة في العصور القديمة، لا تزال حية حتى اليوم في الأزياء التقليدية الجزائرية. فالملحفة الأوراسية والجبة القبائلية تحافظان على روح التنانير المتراكبة وحلي الفضة الهندسية، إلى جانب البرنوس الذي ينحدر مباشرة من عباءة الفرسان النوميد، لتشكل كلها شهادة حية على استمرارية هذا الموروث الأصيل.
البرنوس قصة لا تنتهي
يعد البرنوس من أقدم الألبسة الجزائرية، وتعود جذوره إلى فرسان الممالك النوميدية، الذين اعتمدوا عليه كحماية أساسية خلال حروبهم وتنقلاتهم في الجبال والقرى القديمة. وتكشف التماثيل والآثار الرومانية التاريخية كيف كان قادة نوميديا يلتفون بهذه العباءة الصوفية، التي لا تزال إلى اليوم في الجزائر تُلبس في الملاحم والمناسبات الكبرى لتتوج كتفي العريس والكهل على حد سواء. وهناك العديد من المنمنمات الإسبانية وثقت للبرنوس النومييدي كلباس للملوك الزناتيين المنحدرين من قبيلة زناتة العريقة.
الملحفة… قطعة من تاريخ
تحافظ المرأة الأوراسية على أغلى قطعة في خزانتها، وهي “الملحفة” أو آملحاف، كشاهد حي على أزياء العهد النوميدي. تصميم الملحفة في حد ذاتها دليل على قدمها، وكأنها لباس قديم عابر للقارات، من روما إلى أثينا إلى الأوراس. هي قطعة قماش تُثبت عند الكتفين بالحلي الفضية التقليدية المعروفة بالخلالة، ويعكس التصميم الهندسي للملحفة بساطة العيش وعمق الجمالية النوميدية، إذ يمنح المرأة حرية الحركة مع الحفاظ على الحشمة والوقار. وهو ما جعلها تصمد كأقدم فستان مستمر في شمال إفريقيا.
“ثيقندورث” والإزار يمثلان اللباس اليومي لعامة الشعب النوميدي. فكان النوميديون الأوائل يصنعون هذه القمصان الفضفاضة من الكتان المحلي صيفاً، ومن الصوف شتاءً، لتسهيل حركة الرعاة والمزارعين. ومع تطور العصور، شهدت القندورة تحورات وتطريزات محلية مختلفة، بحسب كل منطقة جزائرية، لكنها حافظت على جوهرها كقميص مريح يربط الحاضر بالماضي البعيد.
الردا النوميدي
يمثل “الردا” الجزائري ركيزة أساسية في الذاكرة الثقافية والنسيج الهوياتي للمرأة في الغرب الجزائري، لاسيما في الحواضر التاريخية العريقة، مثل تلمسان، ومستغانم، ووهران. ويعود أصل هذا اللباس التقليدي إلى قرون مضت، فيقال إن أصله نوميدي، حيث استطاع الحفاظ على بريقه ومكانته ليكون شاهداً حياً على نمط العيش المتميز للمرأة الجزائرية عبر العصور. ويتجسد سحر الردا في تصميمه؛ فهو ثوب فضفاض طويل يُصنع بعناية فائقة من أقمشة راقية وخفيفة كالحرير الخالص، والشيفون، والأورجانزا اللامعة، وغالباً ما يتوشح باللون الأبيض الناصع أو الألوان الحريرية الهادئة التي تُطرز يدوياً بـ “الفتلة” أو خيوط الذهب والفضة اللامعة.
الألبسة التقليدية الجزائرية ليست وليدة بعض القرون، بل هي ضاربة في القدم، وفي كل تفاصيلها لمسة من موضة اندثرت، وفي خيوطها جزء من الذاكرة.