-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
صيحة الشروق

الرقمنة التي أخلطت “الأوراق”

عمار يزلي
  • 132
  • 0
الرقمنة التي أخلطت “الأوراق”

هل يتجه العالم نهائيا باتجاه رقمنة كل شيء، والعيش في عالم افتراضي؟ هل سنرى لاحقا انقراضا تدريجيا للإعلام الورقي والتحول تدريجيا أيضا، ولكن بسرعة، نحو الإعلام الرقمي؟ أسئلة في غاية الأهمية والحرج، لأنه لا أحد يمكن أن يصدق أن حضارة الورق التي تمتد لآلاف السنين، قد تجد نفسها تنقرض بسرعة في ظرف مائة سنة. العادات المتوارثة والتعود المكتسب، قد لا يسمح لنا بأن نترك “ما كان يفعل الأجداد” وما كنا نفعله نحن أيضا قبل أقل من ربع قرن. الإعلام الورقي والمؤلفات الورقية ستبقى وستتعايش لمئات السنين المقبلة، لكنها بطبيعة الحال، لن تكون وحيدة على الساحة التنافسية، خلافا لما كانت عليه قبل آلاف السنين، حين لم يكن غير الورق موجودا، الذي نافس وألغى في ما بعد جلود الغزلان والنقش على الحجر والصخور وعظام كتف الجمال، وما إلى ذلك، من المساحات التي استعملت للكتابة، بعد النقلة الطينية في العهود القديمة، حتى ما قبل الأشورية.

المسألة صارت مرتبطة بالوقت، أكثر مما هي مرتبطة بنوع “الحامل” الإعلامي: الورق وتوزيعه ونقله يتطلب وقتا أطول لنقل الخبر، والخبر لا ينتظر أحيانا، ولا يملك ترف الانتظار، فيما الصورة الرقمية والخط الرقمي، يمكن أن يتابع الحدث والخبر في الوقت واللحظة، ولن يكون بعيدا عن الآنية، إلا بمقدار ثانية أو أقل. هذه هي الخاصية التي تنافس المؤسسة الورقية، إذا صح لنا أن نسميها كذلك، فهي بالفعل مؤسسة بنيت على ثقافة وأصول وقوانين وممارسات وتقاليد، ليس من السهل التنكر لها أو نسيانها، لكن السرعة تتطلب أحينا الانتقال إلى الإنترنت التي خطلت كل “الأوراق”، وأصبحت تستدعي الاتصال الافتراضي، طمعا في مواكبة الوقت والزمن الذي هو من “ثمن”، خاصة في مجتمع رأسمالي باحث عن سرعة الربح وانتشاره بلا حدود.

ستبقى وسائل الإعلام الورقية عادة وممارسة، خاصة لدى الكبار المتعودين على قراءة الجريدة الصباحية يوميا قبل أو مع فطور الصباح، ويبقى الكتاب الورقي خير أنيس وخير جليس، وتبقى الشاشة وشبكة الويب نافذة للانتقال السريع لتذوق الوجبات الخفيفة أو الثقيلة، لكن هذا لا يغني عن الورق من شيء، لكونه عنصرا واقعيا ماديا ملموسا، خلافا للواقعية الافتراضية، التي ستبقى على الأقل لعقود، تبحث عن تطابق

الواقع الافتراضي مع الواقع الحقيقي. وهذا، قد لا يحدث في المنظور القريب: نحن نعيش الواقع الاجتماعي الفيزيقي، ماديا، محققين الغايات الخمس للحواس: اللمس، الذوق، الشم، البصر، السمع. لكن، مع الواقع الافتراضي، حتى ذلك المتطور منه، لن نحصل إلا على خاصتين مقابل خمس خواص: السمع والبصر، وبالتالي، فالواقع الافتراضي ما هو إلا نسخة جافة وميتة من ذواتنا وحواسنا التي تستعمل خمس خواص.

في انتظار أن نبقى نشم الروائح، من خلال الأفلام والمواد البصرية، ونتمكن من مصافحة الطرف الآخر من خلف جهاز الكمبيوتر أو الهاتف الذكي، وأن نتذوق طعم أكلة في إشهار عن الطبخ لا نرى فيه إلا الصورة ونسمع للكلام عنه دون لمسه ولا تذوقه ولا شمه، نقول إننا ما زلنا بعيدين عن التحول نحو الاستغناء عن المادي الورقي، مهما تقلص استعماله.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!