-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الساخن‭ ‬والفاتر‭ ‬في‭ ‬تشريعيات‭ ‬بلا‭ ‬روح

حبيب راشدين
  • 5136
  • 4
الساخن‭ ‬والفاتر‭ ‬في‭ ‬تشريعيات‭ ‬بلا‭ ‬روح

إذا حصل -لا قدر الله- ما تخوف منه الرئيس، ويشهد عليه اليوم عزوف المواطنين عن متابعة مجريات حملة فاترة بلا طعم ولا رائحة ولا روح، فإن تبعات فشل الاستحقاق القادم سوف تتحملها مناصفة السلطة التي دأبت على استضعاف قوى المعارضة، وهذه الطبقة السياسية العاجزة عن إنتاج‭ ‬مشاريع‭ ‬إصلاحية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬إخراج‭ ‬البلد‭ ‬من‭ ‬حال‭ ‬التخشب‭ ‬والجمود‭.‬

 

لا شك أن المواطن يجد مثلي صعوبة بالغة في متابعة مجريات الحملة الانتخابية التي شهدنا منها فصلا ساخنا امتد لأسابيع، شغل الناس بمشاهد محزنة من التطاحن والاقتتال البيني على رئاسة القوائم والمراتب الأولى فيها، فيما انهار الاهتمام الشعبي بها مع بداية الحملة الرسمية،‭ ‬وبداية‭ ‬استعراض‭ ‬البرامج‭ ‬الانتخابية‭.‬

 

فمن الواضح أن الكيانات السياسية: القديم منها والوافد على المشهد، لم تكن مهيأة للمشاركة بفعالية في هذا الاستحقاق، حتى ببعده التقليدي كاستحقاق يعيد تجديد البرلمان، فضلا عن التكفل بالبعد الإصلاحي الذي يريد أن يحمل البرلمان القادم مسؤولية إعادة صياغة الدستور، وإعادة‭ ‬هيكلة‭ ‬الدولة‭ ‬بإدخال‭ ‬إصلاحات‭ ‬ذات‭ ‬شأن‭ ‬على‭ ‬مؤسسات‭ ‬الحكم‭.‬

 

 

حضر‭ ‬الإصلاح‭ ‬وغاب‭ ‬المصلحون

فالكيانات القديمة عاشت لأكثر من سنة تحت وطأة الخوف من فعاليات الربيع العربي، تخشى من التحاق الشارع الجزائري بنظيره العربي، وتحذر تبعات أي حراك قد يجرفها كما جرفت الأحزاب الحاكمة في مصر وتونس.

 

ومن جهتها كانت القوى الجديدة الواقفة على الأعراف، تعول على حصول الانفجار الشعبي الذي قد يسمح لها بما سمح به لقوى المعارضة في تونس ومصر، ولا يبدو أنها راهنت كثيرا على نجاح السلطة في إطفاء فتيل الانفجار وتطويق بؤره.

 

ومع أن السلطة، ممثلة في شخص الرئيس، قد ألقت بطعم هائل كان يفترض أن يسيل لعاب الطبقة السياسية، بالتنازل للبرلمان القادم عن صلاحيات مراجعة الدستور دون قيد يذكر، فإن ما تابعناه في الأسبوع الأول من الحملة الرسمية، لا يشير إلى أن الطبقة السياسية قد التقطت الفرصة‭ ‬السانحة،‭ ‬وسارعت‭ ‬إلى‭ ‬مكاشفة‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬برؤيتها‭ ‬لملف‭ ‬الإصلاحات‭ ‬السياسية‭ ‬التي‭ ‬تمر‭ ‬حتما‭ ‬عبر‭ ‬مراجعة‭ ‬الدستور‭.‬

 

.. بقي لهذه الطبقة السياسية أن تتحمل مسؤولياتها بالكشف عن مشاريعها الإصلاحية، ما دامت قد انتقدت قصور الإصلاحات المعتمدة حتى الآن، وأجمعت على حاجة البلد إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة التي تدين للقانون والقانون وحده.

فالقراءة الموضوعية لقرار الرئيس بتحويل البرلمان القادم إلى برلمان تأسيسي، يتولى لأول مرة إعادة كتابة الدستور، كان يفترض أن تتوقف عند ما يشبه الاعتراف الضمني من قبل الرئيس بقصور الإصلاحات التي اعتمدها البرلمان المنتهية ولايته، وأنه يعول على البرلمان القادم لوضع‭ ‬البلد‭ ‬والدولة‭ ‬على‭ ‬سكة‭ ‬الإصلاح‭ ‬عبر‭ ‬مراجعة‭ ‬الدستور،‭ ‬وإعادة‭ ‬هيكلة‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة‭.‬

 

فالكرة كما نرى هي بين أرجل رجال ونساء الطبقة السياسية، وليس لنا غيرها حتى الآن، وهي تغطي الطيف الفكري السياسي والعقائدي بالكامل، حتى لا يدعي أحد بعد حين، أن شريحة واسعة من الرأي الغالب قد أقصيت من اللعبة.

 

 

إقصاء‭ ‬ذريعة‭ ‬الإقصاء

فالتيار الإسلامي حاضر بقوة، ممثل في أكثر من تشكيل يغطي طيفه الواسع، بل وحتى في قوائم جبهة التحرير، كما أن التيار الليبرالي والعلماني له حضور، ليس فقط في أحزابه التقليدية مثل جبهة القوى الاشتراكية، وحزب العمال، وتوليفة من الأحزاب الصغيرة، بل له حضور متخفي داخل التجمع الوطني وجبهة التحرير، ومثله يسجل حضور للتيار الوطني في المواقف المعلنة للكثير من التشكيلات الإسلامية وأحزاب السلطة، وحتى داخل الأحزاب العلمانية الليبرالية واليسارية، وإذا ما استثنينا الاستبعاد المتواصل لجبهة الإنقاذ المحلولة، والذي لم يعد مبررا لا سياسيا ولا قانونيا ولا أخلاقيا، فإن المشهد السياسي قد اكتمل في هذا الاستحقاق، ووجب على الجميع الانتقال من خطاب الانتقاد والشجب، الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، إلى البناء على ما هو متاح، وما هو متاح في هذا الاستحقاق هو ذاته ما أتيح للطبقة السياسية عند أشقائنا‭ ‬في‭ ‬تونس‭ ‬ومصر‭ ‬بالكلفة‭ ‬التي‭ ‬يعرفها‭ ‬الجميع‭.‬

 

بقي لهذه الطبقة السياسية أن تتحمل مسؤولياتها وتبني على ما هو متاح وممكن، بالكشف عن مشاريعها الإصلاحية، ما دامت قد انتقدت ـ وهي على حق ـ قصور الإصلاحات السياسية المعتمدة حتى الآن، وأجمعت على حاجة البلد إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة المدنية التي تدين للقانون‭ ‬والقانون‭ ‬وحده‭.‬

 

 

من‭ ‬يصلح،‭ ‬ماذا،‭ ‬كيف‭ ‬ومع‭ ‬من؟

حتى الآن، لا نعلم من الأحزاب المشاركة في هذا الاستحقاق موقفها من جملة من الأسئلة التي سوف تطرح غدا على برلمان له صفة المجلس التأسيسي، فضلا عن صلاحياته التقليدية في التشريع والرقابة وربما في تشكيل الحكومة، ومنها هذا السؤال الذي يؤرق اليوم أشقاءنا في تونس وخاصة في مصر: هل هم على وفاق أن يتولى البرلمان القادم مراجعة الدستور في أحكامه الخاصة بطبيعة نظام الحكم: رئاسي برلماني أو مختلط؟ وهل يقبلون أن يتولى البرلمان، وهو سلطة من السلطات الثلاث، تحديد صلاحيات السلطات ليكون حكما وخصما؟ أم يكون من الأفضل للبلد أن ينتخب‭ ‬البرلمان‭ ‬القادم‭ ‬‮”‬لجنة‭ ‬تأسيسية‮”‬‭ ‬من‭ ‬خارج‭ ‬البرلمان،‭ ‬ممثلة‭ ‬لجميع‭ ‬مكونات‭ ‬الشعب‭ ‬الجزائري،‭ ‬تتولى‭ ‬إعادة‭ ‬صياغة‭ ‬دستور‭ ‬دائم‭ ‬ومتوازن،‭ ‬يساهم‭ ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬بناء‭ ‬مؤسسات‭ ‬حكم‭ ‬متوازنة‭.‬

 

في مقالات سابقة كنت قد وقفت سريعا عند الجدل العقيم حول مفردة “الفصل بين السلطات” وبينت كيف أن ما يميز الأنظمة الديمقراطية، ليس بالضرورة الفصل بين السلطات، بقدر ما يميزها مستوى خضوع مؤسسات الحكم فيها للقانون، وأن الانتقال إلى دولة القانون لا يتوقف على النجاح‭ ‬في‭ ‬صياغة‭ ‬دستور‭ ‬متوازن،‭ ‬مقبول‭ ‬ومرضي‭ ‬عنه،‭ ‬بل‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬نضال‭ ‬متواصل‭ ‬يشترك‭ ‬فيه‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬جيل،‭ ‬ولأكثر‭ ‬من‭ ‬مراجعة‭ ‬دورية‭ ‬للدستور‭.‬

 

 

إقراض‭ ‬الزمن‭ ‬للزمن

لقد احتاج الفرنسيون بعد نجاح الثورة الفرنسية، نهاية القرن الثامن عشر، إلى خمسة عشر تأسيس دستوري، كان آخرها دستور الجمهورية الخامسة، وقد انتكست الثورة الفرنسية مرات عديدة، على يد نابليون بونبارت الذي انتقل بالجمهورية إلى الامبراطورية، ثم عودة الملكية بداية القرن التاسع عشر، وسقوطها قبل تأسيس الجمهورية الثانية، وإعادة بناء الامبراطورية على يد لوي نابليون، ثم التأسيس للجمهورية الثالثة حتى عشية الحرب العالمية، تلتها الجمهورية الرابعة ثم الجمهورية الخامسة، وهي سلسلة من الانقلابات المتعاقبة، بالانتقال من النظام الجمهوري‭ ‬التمثيلي‭ ‬التعددي،‭ ‬إلى‭ ‬النظام‭ ‬الملكي‭ ‬والامبراطوري،‭ ‬ومن‭ ‬النظام‭ ‬البرلماني‭ ‬الصرف،‭ ‬إلى‭ ‬النظام‭ ‬الرئاسي‭ ‬المحض،‭ ‬إلى‭ ‬النظام‭ ‬المختلط‭ ‬الذي‭ ‬أقرته‭ ‬الجمهورية‭ ‬الخامسة‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬ديغول‭.‬

 

ثم إن دستور الجمهورية الخامسة قد عرف أكثر من عشرين تعديلا في بحر 48 سنة، أي بمعدل تعديل كل سنتين، بما يعني أن مدة مائتي عام لم تكن كافية لبناء دولة متوازنة بمؤسسات حكم مستقرة. ومن يطالع التاريخ السياسي لفرنسا ما بعد الثورة، سوف يقف عند محطات كثيرة لم تكن فيها الدولة الفرنسية دولة قانون، خاضعة بالكامل للقانون، كما لم يكن جميع المواطنين متساوين أمام القانون، رغم اعتماد دساتير فرنسا لإعلان حقوق الإنسان في الأيام الأولى للثورة الفرنسية، وهذا حال معظم الديمقراطيات الغربية.

 

 

الكفر‭ ‬بالقانون‭ ‬في‭ ‬دولة‭ ‬دينها‭ ‬القانون‭ ‬

فقد ظلت المرأة مستبعدة عن المشاركة في الانتخابات في فرنسا حتى سنة 1944، ولم تشارك في إيطاليا إلا بعد الحرب العالمية الثانية، وانتظرت في سويسرا سنة 1971 للحصول على حق المشاركة، ولم تشارك المرأة السوداء في جنوب إفريقيا إلا في سنة 1994، وجميع دساتير هذه الدول‭ ‬كانت‭ ‬متضمنة‭ ‬للحقوق‭ ‬الواردة‭ ‬في‭ ‬الإعلان‭ ‬العالمي‭ ‬لحقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬الذي‭ ‬يمنع‭ ‬التمييز‭ ‬العرقي‭ ‬والجنسي،‭ ‬بما‭ ‬يعني‭ ‬أنها‭ ‬اشتغلت‭ ‬لعقود،‭ ‬وأحيانا‭ ‬لأكثر‭ ‬من‭ ‬قرن،‭ ‬وهي‭ ‬في‭ ‬عداء‭ ‬مع‭ ‬أحكام‭ ‬صريحة‭ ‬في‭ ‬دساتيرها‭.‬

 

المشهد السياسي اكتمل في هذا الاستحقاق، ووجب على الجميع الانتقال من خطاب الانتقاد والشجب إلى البناء على ما هو متاح، وهو ذاته ما أتيح للطبقة السياسية عند أشقائنا في تونس ومصر بالكلفة التي يعرفها الجميع.

غير أن الدرس التاريخي الأكثر إثارة حول الفرق بين إعلاء مبدأ “دولة القانون” وممارسته على الأرض، يأتينا من الولايات المتحدة، التي احتاجت فيها المرأة إلى مرور 130 سنة عن صدور الدستور الأمريكي سنة 1789 لكي يتبنى الكونغرس التعديل التاسع عشر سنة 1919 والذي حرم التمييز الجنسي في الحقوق، وسمح للمرأة بالمشاركة في الانتخابات، واحتاج المواطن الأمريكي من الأقلية السوداء إلى مرور 90 عاما على التعديل الـ 15، الذي حرم التمييز العرقي، لكي يسمح أخيرا للزنوج بالمشاركة في الانتخابات، بما يعني أن الولايات المتحدة ظلت طوال تسعين‭ ‬سنة‭ ‬مخالفة‭ ‬لحكم‭ ‬دستوري‭ ‬صريح،‭ ‬ولعشرات‭ ‬الأحكام‭ ‬القضائية‭ ‬التي‭ ‬صدرت‭ ‬عن‭ ‬المحكمة‭ ‬العليا‭.‬

 

 

التوافق‭ ‬لبناء‭ ‬الدولة‭ ‬المستديمة

كنت‭ ‬بحاجة‭ ‬للتذكير‭ ‬بهذه‭ ‬الشواهد‭ ‬التاريخية‭ ‬عن‭ ‬مخالفة‭ ‬أعرق‭ ‬الدول‭ ‬الديمقراطية‭ ‬الغربية‭ ‬لدساتيرها‭ ‬وقوانينها‭ ‬العضوية،‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬أن‭ ‬أثبت‭ ‬ثلاثة‭ ‬أمور‭:‬

 

الأول‭: ‬أن‭ ‬مخالفة‭ ‬الحكام‭ ‬للدساتير،‭ ‬وتجاهلهم‭ ‬للقانون‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬تدعي‭ ‬أنها‭ ‬دولة‭ ‬قانون،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬حكرا‭ ‬على‭ ‬الدول‭ ‬الحديثة‭ ‬العهد‭ ‬بالديمقراطية،‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬الدول‭ ‬الموصوفة‭ ‬بالاستبداد‭.‬

 

الثاني‭: ‬أن‭ ‬الدساتير‭ ‬تحتاج‭ ‬لجهد‭ ‬ونضال‭ ‬أجيال‭ ‬متعاقبة‭ ‬حتى‭ ‬تستقر‭ ‬مبادئها،‭ ‬وتثبت‭ ‬أحكامها،‭ ‬وتنشأ‭ ‬ثقافة‭ ‬علو‭ ‬القانون‭ ‬وسيادته‭ ‬على‭ ‬الجميع‭ ‬بالممارسة‭ ‬لا‭ ‬بإعلاء‭ ‬النوايا‭ ‬الحسنة‭ ‬أو‭ ‬بدسترتها‭.‬

 

الثالث: أن أفضل التعديلات الدستورية والإصلاحات السياسية لمنظومة الحكم ومؤسسات الدولية، هي تلك التي حظيت بأوسع توافق داخل المجتمع، ولم تأتي كوجه من أوجه المغالبة، وهي التي تخطت بنجاح اختبار تداول القوى السياسية على السلطة.

 

 

استخفوا‭ ‬تصلوا

بقي أخيرا أن نلفت انتباه الطبقة السياسية، وهي تستعد للمشاركة في برلمان له هذا الدور التأسيسي، إلى أن أفضل الدساتير التي تميزت بالاستقرار والثبات والتوازن، هي تلك التي اكتفى فيها المشرع المؤسس بتثبيت الحقوق الدائمة للمواطنين دون تمييز، وتوفير قدر معقول من التوازن بين السلطات، مع إخضاعها مثلها مثل الأفراد لسلطة القانون، وأخيرا الامتناع عن تقييد البلد والمجتمع ضمن خيارات عقائدية ومذهبية في السياسة، والاقتصاد، والثقافة، والتعليم، يفترض أن تترك للنشاط التشريعي ولفعل الإصلاح المتواصل.

 

قديما قال علي ـ كرم الله وجهه ـ “استخفوا تصلوا” ولعلها حكمة تصلح لما قيلت له ولغيره، وهي بالتأكيد تصلح لكي يسترشد بها عند أعادة النظر في الدستور، لأن الوصول بالبلد إلى إصلاحات ذات معنى، وتحريكه من حال الجمود والتخشب، يحتاج إلى التوافق على مجموعة قليلة من المبادئ‭ ‬الدستورية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬غنى‭ ‬عنها،‭ ‬وترك‭ “‬منطقة‭ ‬فراغ‭ ‬تشريعي‭” ‬واسعة‭ ‬للمشرع‭ ‬ولأولياء‭ ‬الأمر،‭ ‬تسمح‭ ‬لهم‭ ‬بقيادة‭ ‬البلد‭ ‬بقدر‭ ‬عال‭ ‬من‭ ‬المرونة،‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬متحرك‭ ‬متقلب،‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬خفة‭ ‬الحركة‭ ‬وسرعة‭ ‬ردة‭ ‬الفعل‭.‬

 

 

دولة‭ ‬مرنة‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬متحرك

فلسبب ما جاء التشريع الإسلامي ليقنن بصرامة الحقوق والواجبات الثابتة في المعاملات بين الناس، في ما يسميه الفقهاء الأصوليون بالكليات: كالنفس، والمال، والعرض، وما وجب بشأنها من حقوق ثابتة ملازمة لحياة الناس، لا تتغير بتغير أحوالهم، ووضعها تحت عنوان العدل، ثم ترك‭ ‬للناس‭ ‬منطقة‭ ‬فراغ‭ ‬تشريعي،‭ ‬اجتهد‭ ‬داخلها‭ ‬فقهاء‭ ‬الأمة‭ ‬جيلا‭ ‬بعد‭ ‬جيل،‭ ‬حتى‭ ‬أن‭ ‬الشارع‭ ‬لم‭ ‬يفاضل‭ ‬بين‭ ‬نظام‭ ‬حكم‭ ‬وآخر،‭ ‬ولا‭ ‬بين‭ ‬نظام‭ ‬اقتصادي‭ ‬وآخر،‭ ‬وترك‭ ‬الأمر‭ ‬فيهما‭ ‬شورى‭ ‬بين‭ ‬الناس‭.‬

 

كنت آمل أن تحتل مثل هذه المضامين واجهة البرامج الانتخابية، بدل اجترار السفسطة التي تعيد إنتاج الخطاب المتخشب الموروث عن ثقافة الحزب الواحد، لأن البلد بحاجة إلى طبقة سياسية قادرة على التوافق والتوفيق بين أمرين:

 

الأول‭: ‬بناء‭ ‬دولة‭ ‬تحقق‭ ‬العدل‭ ‬الذي‭ ‬هو‭ ‬أساس‭ ‬دوام‭ ‬الملك‭ ‬بإخضاع‭ ‬جميع‭ ‬مؤسسات‭ ‬الحكم‭ ‬للقانون‭.‬

 

الثاني‭: ‬رسم‭ ‬معالم‭ ‬مشروع‭ ‬وطني‭ ‬نهضوي‭ ‬يشتغل‭ ‬عليه‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬جيل،‭ ‬ويحتاج‭ ‬إلى‭ ‬مشاركة‭ ‬جميع‭ ‬المواطنين‭ ‬دون‭ ‬إقصاء‭. ‬

 

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
4
  • mohamed

    لما يستولي الجاهل على المال قل يا دنيا السلام لم يستطيعوا اصحاب المال تكوين ابنائهم للمستقبل المفيد تركوا ابناءهم قطاع طرق مع ملأجيوبهم بالمال ليتهم كونوا طبقة برجوازية مثقفة ربما يستفيد العبيد لكن للآسف ترك ابنه قاطع طريق عربيد لا يعلم من الحاءة شيئا سوى البطن والرج

  • حمزة

    تشخيص صائب جدا للحالة . شخصت ووصفت الدواء . وبهذا تكون قد ساهمت لأيما مساهمة . ما زلنا ننهل من أفكارك .

  • أحمد المنايلي

    طبقة سياسية فارغة لا تفكر فقط تبلعط في شعب بطنب كل همه بطنه و سعر البطاطا فان انخفضت كانت الحياة مليحة و الحمد لله و ان ارتفعت فسد كل شيء بطني بطني غالي الثمن روحي مالي بدني

  • بدون اسم

    لو تأذن لي يا أستاذ أن أضيف أن شواهدك التاريخية تثبت أيضا أن الترف المادي (الذي يكاد يكون الهدف الأسمى لكل الشعوب، جائعة كانت أو شبعانة) لا يمر بالضرورة عبر دولة القانون!
    كلامي هذا قد يكون عبثا، لكن كم تمنيت أن يكون في الطبقة السياسية من يجرؤ على الأفكار المعلبة حول الصفات الحسنى للدولة الحديثة و لو على سبيل المدافعة حتى نكون على بينة من أمرنا.