الساعات الأخيرة للكولونيل شعباني.. ولغز “القبر السرّي”
يسدل الستار هذه الليلة على التراجيدية التاريخية والسياسية(العقيد المغدور)حكاية مؤلمة، فحواها أول حالة إعدام لضابط جيش التحرير غداة الاستقلال، في حلقة عاصفة بالأحداث وقاصفة بالمواقف، مدهشة في تفاصيلها ومذهلة في أسرارها، تزخر بكم هائل من المعلومات وتعج بالمعطيات في كنف الرواية والرواية المضادة، خاصة الحيثيات الأخيرة والسريعة(الشنآن) بين الثلاثي بن بلة وبومدين وشعباني، التي عجلت في إصدار أمر وقف التمرد، وشجون المطاردة والدقائق الأخيرة ما قبل القبض على محمد شعباني، حيث ستنفرد قناة الشروق حصريا كأول وسيلة إعلامية، بالوقوف عند الأمتار التي تم فيها “الانقضاض” على”العقيد المغدور” في ريف بوسعادة (بئر العربي) ولأول مرة سيتعرف المشاهد عن حارسه الشخصي الذي وصفته المصادر، بأنه يتحمل وزر كشف مخبأ محمد شعباني.
وسيميط الفيلم الوثائقي اللثام عن مكان الإعدام والقبر “السري” الذي أودعت فيه جثة العقيد المغدور، بعد إعدامه وسيروي شاهد عيان كيف تم تنفيذ الإعدام، وشاهد عيان آخر يسرد كيف تم دفن الجثة (التمويه)، التي هربت بعد أسبوع من مكانها إلى “سرداب” مجهول، لم تخرج منه إلا بعد عشرين سنة بقرار سياسي، عندما تحرك الضمير التاريخي لإعادة الاعتبار للعقيد المغدور “بأثر رجعي” كل هذه التفاصيل “المكلومة” في الحلقة الأخيرة “الطـريق إلى الإعـدام” ترقبوها الليلة في تمام الساعة 21.05 على الشروق نيوز، عبر برنامج TOP SECRET.
من أعدم محمد شعباني؟
يغطس الفيلم الوثائقي في معمعة شنآن الحكم والسلطة بين “طموح وجموح” الثلاثي، قائد المنظمة الخاصة أحمد بن بلة، وقائد الأركان العامة لجيش التحرير هواري بومدين، وقائد الناحية الرابعة محمد شعباني، حول “هوس” النفوذ والسلطة، في معركة كسر العظم، نثر فيها كل منهم أوراق قماره السياسي، والسنن الكونية تقتضي أن يكون ثمة خاسر ورابح ومستفيد، وهنا سيكشف الجزء الثالث والأخير في رحلة “الاستفهام لكشف الإبهام” عن المتسبب الرئيسي في هذه الخسارة ومن يتحمل أوزاراها، التي تحولت إلى محاكمة “خاطفة” وإعدام “غادر”، فمن المسؤول عن إعدام محمد شعباني؟ ولماذا لم يمنح حق الطعن أو العفو؟ أليس الزعيم حسين آيت احمد قد خاض تمردا مسلحا، سقط فيه 500 قتيل وصدر في حقه حكم الإعدام، لكن عفي عنه في أقل من 24 ساعة من نفس الرئيس الذي حكم على شعباني بالإعدام، بيد أن “عفة وطهر” تمرد محمد شعباني، لم تسقط فيه قطرة دم واحدة، إذن ماهية الغاية من إعدامه؟
من استدرج العقيد المغدور للمكيدة؟
كيف تم استدراج العقيد الشاب إلى حلبة المناورة والمداورة، وهو الذي ظلت سريرته الجهادية ونقاءه الثوري بعيدا عنها، ولاسيما وهو المجاهد الذي عاش كل أيام الثورة في الداخل، وقدم البلاء الحسن في ساحات الوغى من 1956 إلى 1962، يحاول الفيلم الوثائقي “العقيد المغدور” تقصي خيوط النزاع والصراع، التي وجد فيها محمد شعباني نفسه بين كفي كماشة “بن بلة وبومدين” الأول رئيس الجمهورية أحمد بن بلة الذي يتقن دهاليز المناورة، فقد جبل على الفراسة منذ أيام المنظمة الخاصة “لوس” والصراع على قيادتها، مرورا بالوفد الخارجي الذي كان ضلعا فيه، ومنه كسب فنون الاحتواء والالتواء، ولاسيما احتكاكه اللصيق بالزعيم جمال عبد الناصر ورئيس جهاز الاستخبارات المصرية فتحي ذيب، وختاما برئاسة الجمهورية التي انتزعها من أفواه المفجرين الذين يقاسمونه الشرعية نحو العنيد والصنديد محمد بوضياف والزئبق كريم بلقاسم، أما الثاني العقيد هواري بومدين ذكيا بطعبه وداهية بالفطرة، فقد تمكن بدهائه المفرط كسب ثقة الأب الروحي للمخابرات الجزائرية عبد الحفيظ بوصوف، وتمكن هذا التلميذ (بومدين) من زحزحة أستاذه (بوصوف) من خلال استيعابه للدروس من الصراع المحموم والتنافس الشرس بين الباءات الثلاثة لبسط سلطتهم على الثورة، فاستطاع هذا “النحيف” تحييد قامات سياسية وهامات ثورية لا يقارعها مقارع في الشرعية، ولا يضارعها مضارع في الثورية، وهنا يطرح الفيلم الوثائقي إشكالية تاريخية، لماذا بالذات تم إعدام محمد شعباني دون غيره؟
من أفشى عن مخبأ العقيد المغدور؟
ظل الحديث مزمنا حول هوية الشخص، الذي أفشى بالمكان الذي ألقي فيه القبض على محمد شعباني رفقة كل من الضابطين حسين الساسي وعريف الجيلالي المكنى بسليم، بقرية بئر العربي “وحات بوسعادة” وعن الطريقة التي تمت بها عملية تحديد موقعه، ولأول مرة إعلاميا يتم سماع شهادة حارسه الشخصي المجاهد (ضابط صف)عبد الرحمان بغدادي أيام الكفاح المسلح الذي ذكرته بعض المصادر (كتب) أنه وراء ذلك التبليغ، بيد أن عائلته هي من تكفلت بضمان مخبأ سري في بيتهم لمحمد شعباني من سنة 1959 إلى 1962، رفقة عريف جيلالي المدعو سليم، بمعية جهاز الاتصال اللاسلكي”أرجي سي 9″ الذي كان يستعمله محمد شعباني للاتصال بالقيادة في الخارج، ولم يتم كشف مخبئه من طرف الاستعمار الفرنسي طيلة أيام الثورة حتى فجر الاستقلال، حيث سيعرض الفيلم الوثائقي حقائق صادمة لأول مرة تتناولها وسيلة إعلامية، تعرضها قناة الشروق في كنف “الرواية والرواية المضادة”، خاصة حول روايتي القبض، فالرواية الأولى قصة جلب جهاز “ستانسيل” لمحمد شعباني لكتابة بيانات ومنشورات تشرح للجماهير الأسباب الحقيقة وراء التمرد، والرواية الثانية قصة جلب “الدواء” لمحمد بسبب مرض القرحة الذي كان يعاني منه العقيد المغدور، هل المرسول من طرف شعباني هو من وشى به؟ كل هذه التفاصيل الدقيقة يحويها الجزء الثالث والأخير “الطريق إلى الإعدام”.
هل “سلم” شعباني نفسه أم قبض عليه؟
يرصد الفيلم الوثائقي العقيد المغدور، من أفواه الشهود و رفقاء دربه في سياق الرواية والرواية المخالفة، حيثيات توقيف محمد شعباني بين “التسليم والقبض” وعن الناجين من القبض، كما يحاول الفيلم حلحلة الغموض الذي اكتنف عملية المطاردة، كم يطرح الوثائقي أسئلة ظلت سجينة لنصف قرن، لماذا تخلى جيشه عنه عندما حان موعد المواجهة، كيف أنهى الأمر بمحمد معزولا رفقة مجموعة لم تتعد عشرة أشخاص في ظل أسبوع من تمرده؟ ألم يكن قائدهم بالأمس؟ كيف تركوه يواجه مصيره لوحده؟ حتى وصل منفردا لساحة الإعدام دون سواه؟ هل كان تمرد فرديا أم جماعيا أي جيش الولاية السادسة؟ ولماذا لم يواجه مطارديه الذين هاجموه بسلاحهم؟ هل أطلق محمد شعباني الرصاص على معتقليه، أم لم يطلق رصاصة واحدة؟
هل المكالمة الهاتفية هي من أعدمت شعباني؟
يروي الفيلم قصة مكالمة هاتفية ساخنة تمت بين محمد شعباني وأحمد بن بلة ليلة التمرد، ذاتها المكالمة “الحامية”تحولت إلى مهاتفة قاتلة، عندما نفذ صبر الرائد محمد روينة المكنى بغنتار، والذي أخذ السماعة من عند العقيد المغدور، و أسمع فيها الرئيس أحمد بن بلة، كلاما مزلزلا دفاعا عن محمد شعباني، ليصدر ليلتها الرئيس أمر القبض على شعباني ومعاونيه، في نداء وجهه للشعب الجزائري عبر الأثير في منتصف الليل، لتنزل قوات الجيش الوطني الشعبي في صباح الغد تخوم بسكرة، التي قادها الرائد شاذلي بن جديد ، الذي طوق بسكرة بسرعة، لكن استطاع شعباني رفقة مقربيه أن يفلت من الطوق المضروب، لتتمكن قوات الرائد شاذلي بن جديد بعد أسبوع، من القبض على محمد شعباني رفقة الضابطين حسين الساسي وعريف الجيلالي المدعو سليم، حيث يتناول الفيلم الوثائقي، كل الاستفهامات حول مكالمة “الليل” التي أدت إلى محاكمة أخر “الليل” فما الذي جاء في هذه المكالمة؟وهل كانت مجرد ذريعة لدفع شعباني للتمرد؟ وهل هذه المهاتفة تحولت إلى قطرة خلاف، أفاضت كأس الضغائن والدسائس؟
لماذا القبر السري؟
يعد إعدام العقيد محمد شعباني، في 04 سبتمبر سنة 1964، المصادف ليوم ميلاده الثلاثين (من مواليد 4 سبتمبر 1934) هل كان مصادفة؟ هل كان هذا التاريخ بريئا في توقيته؟ حيث يروي مدير السجن العسكري عريف محمد صاحب 97 سنة (قرن إلا ثلاث سنوات) كيفية تنفيذ الإعدام، لكن يجهل أين ذهبت الجثة بعد ذلك، ليروي مقدم مقبرة سيدي البشير بوهران بوخشبة محمد صاحب 88 سنة، تفاصيل القبر السري الذي حفر في الثلث الأخير من الليل، لتوارى فيه جثة العقيد الشاب محمد شعباني، وتبقى تحت حراسة عسكرية يومية من طرف مجموعة من الضباط بسيارتين سوداويتين، ليتم نبش القبر بعد ستة أيام واستخراج ونقلها إلى جهة مجهولة، لتختفي لعقدين من الزمن حتى جاءت ألفتة الكريمة من لدن الرئيس الشاذلي بن جديد في أكتوبر 1984، هذا الأخير ظل رقما ولغزا محيرا في قضية محمد شعباني، فهو من قبض عليه ببوسعادة في جويلية 1964، وهو أحد أعضاء محاكمة “الليل” التي دامت ساعتين، وذاته من حضر لحظة تنفيذ الإعدام، وهو من أعاد الاعتبار بدفن رفاة محمد شعباني في مربع الشهداء بمقبرة العالية في أكتوبر 1984، هل هي الأقدار التي فعلت فعلتها؟ أم ثمة لبس ينبغي فرزه؟ هذا ما سيتناوله الفيلم الوثائقي في جزءه الثالث والأخير “الطريق إلى الإعدام”.
لماذا دامت المحاكمة ساعتين؟
ماسر هذه السرعة المفرطة والمجنونة التي تمت بها المحاكمة؟ التي يؤكد فيها شهود أنها دامت زهاء الساعة والنصف فقط، وكأنها تمثيلية مسرحية سمجة الإخراج، هل يعقل محاكمة بتهمة التمرد في ساعة ونيف؟ فلماذا كل هذا الاستعجال في تنفيذ الحكم؟ والذي تم مباشرة بعد محاكمة الليل من القاعة إلى القبر، ولماذا لم يمنح حق الدفاع؟ ولماذا رفضت الوساطات لثني الرئيس أحمد بن بلة؟ الذي كان مصرا حسب الشهادات على تنفيذ الإعدام دون عفو أو تأجيل؟ ولماذا لم يمنح حق النقض، وهل طلب شعباني العفو؟ كل هذه الأسئلة يجيب عنها الجزء الثالث والأخير من هذه الدراما السياسية التاريخية “العقيد المغدور”.
لماذا أعدم محمد شعباني دون غيره ؟
هل تمرد شعباني بمفرده أم كان عصيان جماعي؟ فلماذا تخلى عنه الجميع؟ لكن لم يقبض عليه وحده، فلماذا إذن يعدم وحده دون سواه؟ ماسر وراء إصرار أحمد بن بلة على إعدامه وباستعجال التنفيذ(من المحاكمة إلى تنفيذ الإعدام)؟ لماذا لم يمنح حق العفو؟ وما الهدف من إخفاء جثته لمدة عشرين سنة؟ هل الأمر يتعلق بثأر شخصي؟ أم بتصفية حسابات؟ أم بضغائن وأحقاد؟ أم هي أقدار ساقه إليها الزمان في “فتنة” التمرد؟ ألا يعد إعدام المجاهد الشاب خسارة للجزائر؟ ولماذا لم يشفع له رصيده الثوري في محاكمة عادلة وحق العفو أو التأجيل؟ وعند جهينة الخبر اليقين، الفيلم الوثائقي العقيد المغدور في جزءه الثالث والأخير، يضرب لمشاهديه حلقة “الاستفهام في رفع الإبهام” بامتياز، فترقبوا تفاصيلها المثيرة الليلة حصريا على قناة الشروق نيوز على الساعة 21.05.

