-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
"السيفيهات" شهادات وهمية وانتحال صفة غير معلن

السيرة الذاتية… أو عندما تمتلئ الورقة بمهن ولغات لا يتقنها صاحبها

س. ر / ط. مامن
  • 180
  • 0
السيرة الذاتية… أو عندما تمتلئ الورقة بمهن ولغات لا يتقنها صاحبها

جلست في بيتها تخط سيرتها الذاتية التي فيها مكان شاسع، يتم فيه ذِكر ما تمتلكه من شهادات وخبرات مهنية، ثم نقرت على “غوغل”، وسألت: كيف تكتب “السيفي”؟ وراحت تنقل حرفيا ما وجدته، إلى أن ملأت ورقتها، حتى تفرقها على كل المؤسسات العمومية والخاصة، من أجل منصب عمل، فكل طرق “السيرة الذاتية” فيه، تؤدي إلى روما.

ولم يتفلسف خريج الجامعة كثيرا، فحمل نسخة من شهادته، فرآها غير كافية، ولا تغني عن جوع، وراح يكتب سيرته الذاتية من ألفها إلى يائها، شعر بضرورة إضافة أشياء أخرى، فكتب بأنه يتقن الإنجليزية وهو لا يعرف سوى كلمات، وتحدث فيها عن خبرات، في مهن لم يعمل فيها دقيقة واحدة.

هي حكايات عن السيرة الذاتية، المخطط الكتابي، الذي يحمله طالب عمل، فيحاول أن يزيّنه ويثقله جيدا وهو في الحقيقة يحرّفه، ويزوّره.

عباقرة وظواهر علمية ولغوية… في “السيرة الذاتية” فقط

يقول صاحب مؤسسة خاصة أعلن عن شغور منصب سكرتيرة، ويبحث عن عاملة نزيهة بإمكانها أن تقدم عملها بإتقان: “جاءني رجل في الستينات من العمر، حاملا معه حقيبة نيابة عن ابنته الثلاثينية التي أتعبتها البطالة ويرى والدها أنها أولى من الجميع بالمنصب، الرجل جلس ووضع الحقيبة فوق مكتبي وراح يُخرج منها سيرة ذاتية في صفحة، وطلب مني تصفحها، ذهلت عندما قرأت بأن ابنته تتقن سبع لغات ولها 78 شهادة، واصفة نفسها من خلال السيرة الذاتية التي حررتها، بكونها بشوشة ومرحة ونزيهة ومثقفة، وغيرها من الصفات الملائكية”.

مدير الشركة أو صاحب الشركة، تساءل عن الزمن الذي حصلت فيه هذه الشابة على 78 شهادة، والشهادة الجامعية الواحدة، تستنزف من عمر الإنسان خمس سنوات جامعية كاملة، وشكّك في أن تكون تتقن اللغات السبع التي ذكرتها في سيرتها الذاتية وترك بقية الميزات والصفات للجدل.

هنا أخرج الوالد من تلك المحفظة النائمة على مكتب المدير، كمّا هائلا من الشهادات يمكن وزنها بالكيلوغرام، شهادة طرز وطبخ تقليدي وعصري وسوري وإيطالي، شهادة إدارة أعمال ومساعدة المرضى في البيوت وشهادات تخص غرس الزهور وصيانتها وتنظيم الحدائق، والحلاقة وما تبعها من عمليات التجميل، وتسيير المكاتب والعيادات، والاهتمام بالطيور والكلاب بكل أنواعها من “الكانيش” إلى “الدوبرمان”، وشهادات أخرى في التصوير وحتى في الفتوى، وبعض تلك الشهادات من بلاد عربية وأوروبية ومنها ألبانيا وتركيا والأردن والبحرين وحتى أندورا.

وبينما اندهش مدير الشركة من هذا الصبر الأيوبي الذي تحلت به هذه الشابة، راح الوالد الطيب يخرج شهادات تعلم اللغات، من ألمانية وصينية وتركية وإيطالية وكردية مختوم بعضها من مؤسسات أجنبية غير معترف بها.

يقول مدير الشركة الخاصة: “كان من الصعب عليّ أن أقنع الرجل الستيني الذي ظلّ على مدار أكثر من 14 سنة يدفع المال لابنته نظير تربصات بضع ساعات وأحيانا عبر المراسلة وحتى بالعملة الصعبة لتجمع له 78 شهادة ورقية، وهي عاجزة عن امتلاك شهادة البكالوريا، كان من الصعب إقناعه بأن هذه الشهادات غير معترف بها وهي أوراق اشتراها من فراغ”.

ومع ذلك، لم يغلق الباب في وجه الأب ولا ابنته وطلب منه الإتيان بها لإجراء اختبار بسيط، ووعده بأن يمنحها الأولوية، والقبول إذا وجد ذرة فيها من شروط القبول، ثم منحها الموافقة ولكن مع مرور الأسابيع غادرت بمحض إرادتها، لأنها مقتنعة بأن مكانها مع “شهاداتها” يجب أن يكون في القمة، معتبرة نفسها ظاهرة علمية.

ويوجد من طالبي العمل من صاروا يقدمون السيرة الذاتية أو ما يُعرّفه الجميع بالمختصر الفرنسي CV في صفحات وليس صفحة واحدة، تكون ملونة ويستعمل فيها الذكاء الاصطناعي حتى تحسّ بأن طالب العمل بإمكانه أن يطير من مكان إلى آخر، ما يثير دهشة صاحب العمل لأن بعض الشباب وخاصة الشابات يقدمون سيرة ذاتية وشهادات وهمية توحي أن مستواهم أكبر من مستوى المدير نفسه، أو كما قال أحد المديرين: “بعضهم يستحق ورقيا جائزة نوبل”، وهو ما جعل كل المؤسسات من خاصة وعمومية تطلب السيرة الذاتية فقط، وترفض تسلّم الشهادات الكثيرة التي تتطلب خبيرا لأجل معرفة إن كان معترف بها أو لا، لأن بعضها مدوّن أسفله أشياء لا تصدق مثل “ملحقة السوربون في ألبانيا وفرع جامعة الأزهر”.

ووجدت بعض الهيئات غير المعترف بها الفرصة الذهبية لجمع الأموال من المغفلين، فصارت توزع حتى شهادات الدكتوراه الفخرية لشباب وشابات لم يحصلوا على شهادة البكالوريا وربما لا يمتلكون سوى شهادات ميلادهم، فيدفع مبلغا ماليا كبيرا جدا، ويعود بدكتوراه فخرية وورقية جميلة، يعلقها في الصالون أو المكتب، ويتباهى ويتفاخر بها في احتيال على الذات أولا، قبل الغير.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!