-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الشّعب ضدّ الشّعب؟!

محمد حمادي
  • 4521
  • 7
الشّعب ضدّ الشّعب؟!

مرّة أخرى نضرب أبشع الأمثلة في التكافل والتراحم في هذا البلد، ونحطم أرقاما قياسية في الجشع والطمع، الذي صار علامة تجارية مسجلة باسم مواطنين برتبة محتالين، يتصيّدون المناسبات الدينية، ليعمّقوا معاناة الطبقة المسحوقة من الشعب، التي لم تعد قادرة على اقتناء أضحية العيد، بعدما ألهب أسعارها سماسرة الربح السريع.

سواء في رمضان أو في عيد الفطر أو الأضحى، المشاهد المقززة ذاتها تتكرّر: ندرة في المواد الاستهلاكية وطوابير مكتظة للظفر بكيس حليب، غلاء في الأسعار.. لكن العجيب في الأمر أنّ الكل يخلي مسؤوليته ويرمي الكرة في مرمى الآخر؛ تاجر الجملة يتهم تاجر التجزئة والأخير يلقي باللائمة على الفلاح، وهو بدوره يلعن الأيام التي جعلته يمارس هذه المهنة، بعدما لم يجد يدا عاملة تجني محاصيله، وفي الأخير من يدفع الثمن؟ أكيد هو المواطن البسيط الذي أصبح يصارع على كل الجبهات، خاصة عندما يجد نفسه غير قادر على شراء أضحية وقد داهمه الدخول المدرسي وما يحمله من أعباء إضافية من ملبس وأدوات مدرسية وكتب لأبنائه.

فإلى متى نبقى نردد عبارة “عيد بأي حال عدت يا عيد”؟ متى نتعلّم التضامن في ما بينا؟ لماذا أفرغنا عيد الأضحى المبارك وسائر المناسبات الدينية من محتواها؟ هل نحتاج إجراءات ردعية وعقوبات قاسية حتى نعود إلى رشدنا ونكف عن هذه الممارسات المشينة؟. للأسف مظاهر الجشع والطمع التي برع فيها كثير من التجار الموسميين، لم تنفع معها لا أجهزة المراقبة ولا العقوبات التي سنتها الجهات الوصية؛ فهذه السلوكيات التي قفزت على القيم الأخلاقية والدينية في المجتمع أضحت تتكرّر كل عام، وتزداد حدّة في ظل غياب الوازع الديني والأخلاقي لدى كثير من أفراد الشّعب، الذين بات همّهم الوحيد جني المال بأي طريقة؛ فهم ينقضون على جيوب المواطنين كلّما حلّت مناسبة دينية، رافعين راية “الربح السريع”، التي ترفرف عاليا فوق لافتات الأسعار الملتهبة.

وبالرّغم من تفعيل آليات الرقابة على الأسواق وكل ما يتعلّق بالنشاط التجاري، إلا بعض السلوكيات أضحت خارج السيطرة لأن أبطالها مواطنون برتبة محتالين لا يتورعون في السطو على جيوب الآخرين والنفاد إليها بطرق عجيبة تنطوي على النصب والتضليل والتدليس؛ فكيف يمكن لسماسرة أن يلجؤوا إلى تسمين المواشي بمادة خطيرة كي تظهر بمظهر الأضحية التي تملأ العين، ومن ثم بيعها بأثمان خيالية؟ ألهذه الدرجة ماتت ضمائر هؤلاء حتى أصبح عيد الأضحى مرادفا للصفقات التجارية المربحة  ؟!.

مثل هذه الممارسات هي من صنيع الشعب وموجهة ضدّ الشّعب، الذي أصبح لا يتوانى عن إلحاق الأذى ببعضه البعض، ويقتنص جميع الفرص بحثا عن الثراء السريع، لذلك نحن للأسف نعيش أزمة أخلاق بالدرجة الأولى، ميّعت كل شيء، إلى درجة لم نعد نشعر فيها بقدسية المناسبات الدينية، التي أفرغها كثير من ضعاف النفس من محتواها.

وباختصار فإنّ الشعب الذي يطالب بمراقبة أسواق المواشي، هو نفسه الذي يضارب في أسعارها، والشعب الذي يحلم بمدن نظيفة هو نفسه الذي يترك أطنانا من بقايا الذبائح ليتعذّب بروائحها الكريهة الآخرون، فلذلك فإنّ الشّعب يعذّب الشّعب ما دام الجميع في هذا الوطن يبحث عن مصلحته الشخصية ولا يؤمن بثقافة النفع العام.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
7
  • عيسى ض

    نحن فعلا في مأزق يصعب الخروج منه ما لم يتجند رجال من القمة و القاعدة أي سلطة و شعبا و يخلصون لله ثم للوطن على تحرير هذا الإنسان من أنانيته المدمرة

  • الطاهر

    اكيد هي أزمة أخلاق بدرجة الأولى فالإنسان عندما يموت ضميره يقفد الشعور بالآخرين.. الكل اليوم مسؤول عن الحالة التي وصلت إليها الجزائر فوضى عارمة فساد متفشي في كل المجالات فقدنا قيمنا.. علينا أن نستحي من انفسنا كجزائريين يعتزون بوطنهم و هم اكثر الشعوب وطنية لكن مع الاسف الواقع عكس ذلك

  • صلح بوقدير

    داء الكلب
    عندما يبدأ الشعب يأكل بعضه لاحديث عن الأخلاق التي تخاطب الضمير وتجعل منه الرقيب على الذات فلا يصدرمنها فعل إلا بإذن منه ممهوربالحجة والبيان.
    فنكسةالضميرلم تأت من فراغ فلابدمن التشخيص لمعرفة السبب
    إذا كان من أنيط به حراسة الشأن العام وهو القدوةحول مافي الخزانةالعامةلحسابه الخاص واستأثربهادون بقيةأفرادالشعب دون رقيب ولا حسيب فأي ضميريصمدأمام هذا؟
    لعل داء الكلب أصاب الهرم وانتقلت عدواه إلى باقي أفرادالشعب فلابدمن التطعيم المركز والعنايةالفائقةمن طبيب محنك يستعيدالعافيةللجسم وللضميرسلطته

  • hocheimalhachemihhh

    كل النقائص والعيوب ،سببها تهاون وتقاعس من المسئولين االأوصياء على المؤسسات المحتكة بالمواطن ، من المسجد الى المدرسة الى الداخلية ومحيطها.. الى الأعلام الذي قد يساهم في كثير من السلبيات ، قد تكون عن غير قصد ،الله أعلم ! غياب كلي في جميع الميادين وفي وضع لانحسد عليه؟!هناك مثل شعبي ينطبق على حالنا" اذا عطاك العاطي حتى جبال تواطي ؟ واذا رقد الزهر ! لاتشقى لا تباطي ؟! هذا في زمن "الحظ والزهر" أما الأن فنحن منطقيا في زمن" وقل اعملوا فسيرى الله عملكم" ومن رام العلا صهر الليالي"

  • nacera

    كلامك صحيح......فالى متى يبقى احدنا يستغل الاخر اليس البائع من الشعب فلماذا يستغل المشتري ويزيد الاسعار في كل مناسبة اليس للموال ابناء فلماذا يحرم ابناء الطبقة الكادحة من فرحة كبش العيد...صدقني ضاعت مني الكلمات لاعبر عما اشعر به من اسف.

  • عبد الرحمن

    لك الشكر كل الشكر يا سيادة الكاتب المحترم ، لقد أصبت كبد الحقيقة. فعلا الشعب ضد الشعب، فلكل يكيد للكل، و الكل ينتقد الكل، ولا أحد يرغب أن يكون أنموذجا في الاخلاق الرفيعة ليكون قدوة لغيره، لعل و عسى ينقذ بعض الضالين. وخلاصة القول يا سيادة الكاتب المحترم: إن الشعب الجزائري يعيش حربا أهلية صامتة ، أشد و أعنف من الحروب الأهلية المعلنة هنا و هناك، والكل متستر عليها، همه تحقيق مصالحه الذاتية، وليذهب الجميع إلى الجحيم. إنه عصر المادة، الذي لا يقوى على مجابهته إلا من أتى الله بقليب سليم. شكرا جزيلا.

  • هشام

    غالبا ما نلوم السلطة و هي كذلك تتحمل مسؤولية كبرى لكن نتحاشى ذكر مسؤلية الشعب الأخذ في الانحدار أخلاقيا و ثقافيا ما رأيته من ظلم و حرقة في بلادي كان أغلبه على يد أبناء الشعب من المستشفى الشرطة الدرك الجيش المدرسة جميع الإداراة في القطاع العام و الخاص السوق الشارع كلها من الشعب إذا كان الشعب يحقر بعضاه و يغش و يسرق فلماذا نلقي كل اللوم على السلطة!؟ نحن أمام مشكلة أخلاقية و ثقافية عويصة تزيد سوءا كل يوم و الحل أصبح منعدم