-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الطابور المغربي: من ملاح فاس إلى خنادق غزة

الطابور المغربي: من ملاح فاس إلى خنادق غزة

     في الفلسفة السياسية وتاريخ نشأة الدول، نادرا ما تكون التحالفات الكبرى وليدة الصدفة أو نتاج تحولات جيوسياسية عابرة؛ بل هي في الغالب امتداد طبيعي لـ”شفرة جينية” صِيغت ملامحها في لحظات التأسيس الأولى. ولعل تفكيك بنية نظام المخزن المغربي يقدم النموذج الأكثر وضوحا على هذا التلازم التاريخي؛ إذ إن مشهد الارتماء الأمني والعسكري الحالي في أحضان الكيان الصهيوني، والمشاركة الميدانية في ترتيبات ما بعد حرب غزة، لا يمكن قراءته بمعزل عن الصيرورة التاريخية التي بدأت بدقة عام 1666م.

في ذلك العام الفارق، ومع أفول نجم الدولة السعدية واعتلاء السلطان الرشيد بن الشريف سدة الحكم مؤذنا بتأسيس الدولة العلوية، تجسدت عقيدة حكم جديدة أعلنت عن نفسها عبر سلوك رمزي ومادي بالغ الخطورة؛ تمثّل في مبيت السلطان داخل “الملاح” (حي اليهود في فاس) بدلا من الحلول ضيفا على أعيان الحاضرة الفاسية وعلمائها المسلمين. هذه الواقعة لم تكن مجرد مناورة أمنية لحماية الحاكم الجديد في بيئة مضطربة، بل كانت إيذانا بتدشين تحالف مالي وسياسي وبنيوي سيمتد عبر القرون، ليتحول من “تحالف مع المكون العبري المحلي” إلى “شراكة إستراتيجية وجودية مع الصهيونية العالمية”.

لقد نهض هذا التحالف التاريخي عام 1666م على حاجة متبادلة وفلسفة براغماتية شديدة الذكاء والخطورة؛ فالمخزن في طور تأسيسه كان يبحث عن “عصب مالي ودبلوماسي” متحرر من قيود الشرعية الفقهية والشروط السياسية التي كانت النخب الوطنية والإسلامية، من عرب وأمازيغ، تحاول فرضها كجزء من عقد البيعة والمساءلة الداخلية. في المقابل، وجدت الجالية اليهودية في كنف السلطان الحماية الوجودية، لتتحول سريعا إلى أداة وظيفية حيوية أفرزت ما عُرف تاريخيا بظاهرة “تجار السلطان”. هذه النخبة المالية والدبلوماسية الضيقة غدت صلة الوصل الحصرية بين البلاط والقوى الغربية، وتولت إدارة بيت المال، والجمارك، والتجارة الخارجية، واحتكار السلع الأساسية، مما منح السلطة المركزية استقلالية مالية تامة مكنتها من إخضاع الداخل وضرب مراكز القوة التقليدية.

لقد تأسست عقيدة المخزن منذ تلك اللحظة على فكرة الاستعلاء على الحاضنة الشعبية، ورأت في الأقليات الوظيفية المرتبطة بالخارج صمام الأمان الحقيقي لدوام العرش، وهي ذاتها العقيدة التي تمنع ملوك هذا النظام من منح ندوة صحفية واحدة للإعلام المحلي، بينما تُفتح القصور والأبراج للصحافة الغربية والدوائر الصهيونية.

واليوم، يثبت التاريخ أنه لا يعيد نفسه فحسب، بل يكشف عن جوهره العاري؛ فالعلاقة العضوية التي تربط المخزن بالكيان الصهيوني ليست انحرافا طارئا أملته براغماتية “الاتفاق الثلاثي” والمعروف بالتطبيع لعام 2020، أو المقايضة السياسية بملف الصحراء الغربية، بل هي ذروة النضج للتحالف المالي والسياسي القديم ذاته. لقد استبدل المخزن “تاجر السلطان” التقليدي في الملاح بالمؤسسة الأمنية والمالية الصهيونية في تل أبيب وعواصم الغرب، مستندا إلى القاعدة البنيوية نفسها: البحث عن شرعية وأمن وجودي يُصنعان خارج الحدود، بعيدا عن رضا الشارع ومستلزمات الهوية القومية والدينية.

تأسيسًا على هذا التأصيل، يأتي هذا المقال ليتتبع خطوط الطول والعرض لهذا التحالف الممتد، مسلطا الضوء على كيفية تحول آليات “الملاح الاقتصادي” لعام 1666 إلى “طابور أمني وعسكري” في غزة، وكيف يواصل المخزن توظيف الرأسمال الأجنبي والصهيوني لحماية وجوده السيادي المنقوص، على حساب دماء الأمة وثوابت رعاياه الرافضين للتطبيع.

وفي الأدبيات السياسية لنظام المخزن المغربي، نادرا ما تخرج التصريحات الإستراتيجية  للسلاطين والملوك عن إطار الشفرة الوراثية التي تأسست عليها الدولة؛ بل إنها غالبا ما تأتي لتمنح الممارسات السلوكية القديمة غطاءً فكريا ونظريا يبرر ارتماء النظام في أحضان الخارج. ولعل التجلي الأكثر وضوحا وفجاجة لهذه العقيدة يكمن في المقولة الشهيرة والملفتة للملك الراحل الحسن الثاني، والتي كان يكررها بدافع التبشير بعهد جديد في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حين اعتبر علنا وبصيغ مختلفة “أن المنطقة العربية ستكون بألف خير لو امتزج رأسُ المال العربي بالذكاء الصهيوني”. هذه المقولة لم تكن مجرد شطحة دبلوماسية أو زلة لسان فرضتها ظروف البحث عن وساطات سلام في القرن الماضي، بل كانت تلخيصا فلسفيا واعيا وبنيويا لـ”العقيدة الوظيفية” للمخزن، ومحاولة لشرعنة دمج الكيان الصهيوني في الجسد العربي عبر بوابة الاقتصاد والتكنولوجيا، وهي ذاتها الرؤية التي مهَّدت الطريق للتطبيع وللتحوُّلات العسكرية والأمنية الصادمة التي نشهدها اليوم.

إن هذه الأطروحة الملكية حول “تكامل المال والذكاء” تنبع مباشرة من النبع التاريخي ذاته الذي تفجَّر عام 1666م؛ فعندما أسقط الحسن الثاني مفهوم “الذكاء والدهاء” على المكون الصهيوني وجعله شرطا لنهضة المنطقة، كان يعيد إنتاج سلوك سلفه السلطان الرشيد بن الشريف المؤسس الأول للكيان العلوي، الذي فضّل المبيت في “الملاح” (حي اليهود في فاس) على المبيت بين أعيان الحاضنة الشعبية والوطنية. في الوعي الباطن للمخزن، يُنظر دائما إلى المكوّن العبري بالأمس والصهيوني اليوم، سواء كان “تاجر السلطان” في القرن السابع عشر أو المستشار الأمني والتقني في تل أبيب اليوم، على أنه العنصر فائق القدرة، والبديل المضمون عن الحاضنة القومية والدينية التي يخشى المخزن مساءلتها وثورتها. ومن هنا، يصبح “الذكاء الصهيوني” في العرف المخزني ليس أداة للتنمية، بل مظلة تقنية وأمنية لحماية العروش، وصمام أمان يمنح السلطة الاستعلاء التام على إرادة الرعايا الأصليين، من عرب وأمازيغ، مبررا في الوقت ذاته قطيعة النظام مع إعلامه المحلي وارتمائه في أحضان الدوائر الغربية.

واليوم، وفي ظل الوجع الممتد، تقدم هذه المقالة مدخلا تفكيكيا لقراءة الكلفة الأخلاقية والسياسية لهذه المقولة؛ فالمزج الذي بشر به الحسن الثاني بين “المال والذكاء” لم يُنتج تنمية أو رخاءً للمنطقة، بل أنتج مسخا جيوسياسيا نرى تجلياته في مشهد الطابور المغربي الجديد وهو يطأ أرض قطاع غزة المباد ليؤدي مهاما أمنية بالوكالة لحساب الاحتلال الصهيوني. لقد تحولت مقولة “الذكاء الصهيوني” من شعار اقتصادي براق إلى “سوط أمني” مسلط على رقاب المغاربة، وكيف تحول الوهم المخزني بالتحالف مع هذا الكيان إلى شرخ قيمي وتاريخي غير مسبوق، أثبت عبره التاريخ أن الاعتماد على “ذكاء العدو” ليس سوى تبعية مطلقة وصك استسلام يُدفع ثمنه اليوم من دماء الشعب الفلسطيني المحاصَر وأشلاء أطفاله ونسائه.

وتضع التطورات الميدانية الأخيرة السياسة الخارجية لنظام المخزن المغربي في مواجهة مباشرة مع التاريخ؛ فوصول فيلق عسكري مغربي للانتشار في قطاع غزة (الطابور المغربي الجديد) وتولي مهام أمنية تحت مظلة ما يُسمى “قوة الاستقرار الدولية” برعاية أمريكية- صهيونية، يمثل تحوُّلا غير مسبوق في طبيعة الصراع. الخطوة لا تمثل مجرد تطبيع دبلوماسي بل هي انتقال كامل إلى مربع التنسيق الميداني والقتالي المباشر لحماية الكيان الصهيوني وإعفائه من الكلفة الأمنية لإدارة القطاع.

المفارقة الصادمة هنا تكمن في المقارنة الإقليمية؛ فلماذا يهرول المخزن المغربي -الذي يترأس “لجنة القدس”- لإنقاذ الكيان أمنيا، في حين أن دولا عربية طبَّعت قبله بعقود، وتمتلك حدودا مباشرة وجيوشا كبيرة مثل مصر والأردن، رفضت التورُّط الميداني في مستنقع غزة وتمنَّعت عن إرسال جندي واحد لخدمة الأجندة الصهيونية؟

لقد رهن المخزن سيادته وقراره القومي بمقايضة رخيصة: “الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء مقابل الارتماء الكامل في الحلف الصهيوني”. هذه الاتفاقية جعلت القرار العسكري والسياسي المغربي تحت وصاية مباشرة من واشنطن وتل أبيب. وفي المقابل، فإن دولا مثل مصر والأردن، رغم ارتباطها بمعاهدات قديمة، لا تدين بوجودها أو بملفات سيادتها الحيوية للكيان الصهيوني؛ لذا تمتلك هامشا من المناورة السياسية يمنعها من الانتحار الأخلاقي عبر إرسال قوات لحماية الاحتلال. أما المخزن، فقد جُرّد من هذا الهامش، وبات مُلزَما بدفع الفاتورة الميدانية عبر إرسال جنوده ليكونوا بمثابة “طابور مغربي جديد” يعيد إنتاج العقيدة الاستعمارية الفرنسية القديمة، إذ يُساق المجند المغربي ليموت في حروب الوكالة لحساب أسياده في الغرب وتل أبيب.

إن هرولة المخزن لمساعدة الكيان في غزة، في الوقت الذي تتمنع فيه دول التطبيع التقليدي، تكشف العهر السياسي لنظام انسلخ تماما عن محيطه القومي والديني. لقد أثبتت أحداث غزة أن “التحالف الوظيفي” الذي بدأ في ملاح فاس عام 1666م وصل إلى ذروته الحمراء؛ إذ يقبل المخزن اليوم أن يتلوث دماء جنوده بأشلاء الأطفال في غزة، ليبقى حارسا أمنيا على أبواب الكيان، مقدما أمن الصهيونية العالمية على إرادة وثوابت الشعب المغربي الأصيل.

المفارقة الصادمة هنا تكمن في المقارنة الإقليمية؛ فلماذا يهرول المخزن المغربي -الذي يترأس “لجنة القدس”- لإنقاذ الكيان أمنيا، في حين أن دولا عربية طبَّعت قبله بعقود، وتمتلك حدودا مباشرة وجيوشا كبيرة مثل مصر والأردن، رفضت التورُّط الميداني في مستنقع غزة وتمنَّعت عن إرسال جندي واحد لخدمة الأجندة الصهيونية؟

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!