-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

العاروري الذي علّمنا أن نعيش أعزّة

سلطان بركاني
  • 785
  • 0
العاروري الذي علّمنا أن نعيش أعزّة

في يوم الثلاثاء الماضي، تداولت وسائل الإعلام ومواقع التواصل نبأ استشهاد قياديّ في حركة المقاومة الإسلاميّة حماس، في استهداف صهيونيّ بطائرة مسيرة، جنوب لبنان.. فجأة سمعنا باسم لم نسمع به من قبل: “صالح العاروري”. بدأنا نبحث في سيرته، وعن كلماته، فوجدنا أنّ الأمر يتعلّق برجل جمع بين الربانية والبطولة، نحسبه كذلك. رجل كفاه شرفا أنّه كان من أهمّ المطلوبين لدى الصّهاينة والأمريكان، وقد رصدت أمريكا 5 مليون دولار لمن يدلّ على مكانه!
كان الاحتلال يظنّ أنّ صالح العاروري سيَخمد ويعيش على هامش التاريخ بعد أن قضى 15 سنة في السجون، بين عامي 1992، و2007م، وظنّ أنّ إبعاده عن فلسطين سينسيه قضيته.. لكنّ الرجل الذي عجن لحمه ومزج دمه بفلسطين قضى 16 سنة الأخيرة من عمره، يتنقّل من بلد إلى بلد، يجاهد بالتخطيط والسعي لتوفير السلاح لكتائب القسّام، حتّى أصبح من أكثر المطلوبين لدى الاحتلال الصهيونيّ، وقد اشتدّ حنق الصهاينة عليه، حينما علموا أنّه كان -مع إخوانه- من مهندسي طوفان الأقصى الذي بدأ في الـسابع من أكتوبر الماضي.
ظلّ بعد خروجه من السّجن يحمل روحه في كفّه، يدعو الله كلّ يوم أن يرزقه الشّهادة في سبيله. سئل مرّة عن موقفه من تعرّضه للملاحقة من قبل الصهاينة والأمريكان فقال: “أنا ما كنت أتوقّع أن أبلغ هذا العمر أصلاً. أنا أعيش الوقت بدل الضائع، ليس هناك من شيء يهددوننا به. ثمّ نحن -ولله الحمد- أناس مؤمنون ونعتبر أنّ الشّهادة ولقاء الله هو الفوز العظيم الذي نتمنّى أن تُختم لنا به الحياة”.. كان يتمنّى الشّهادة، وكان قلبه ينبض بها، ويستعدّ لها ويستبطئها. قال مرّة: “نستبطئ الشهادة ونرى أنّها تأخّرت عنّا. وكلّ شهيد يرتقي قبلنا نظنّ أنّه أفضل عند الله منّا”.
في موسم الحجّ الماضي، اصطفاه الله ليكون بين وفده الذين ينزلون ضيوفا عنده في أحبّ مكان إليه. التقى هناك بأخته أمّ قتيبة وبعدد من أفراد أسرته بعد فراق دام 20 سنة. تقول أخته أمّ قتيبة عن ذلك اللقاء: “رأيته مع الوفد الذين كانوا معه، كانوا جبالا، كأنهم قرآن يمشي على الأرض بتواضعهم، وحين نصحته قائلة: خذوا احتياطاتكم، اليهود يتربصون بكم، أجاب قائلا: “نحن نأخذ احتياطاتنا، والله يقضي ما يشاء، أنا كلّ يوم أسأل الله الشهادة في سجودي”.
أشار عليه أحد الأصدقاء في أيام الحجّ بأن يأخذ بعض الصور، فقال له: “خذ لي صورتين، فلا أظنّ أنّي سأكمل هذا العام، وهذا آخر عمل أرجو أن أختم به حياتي”.. ولكنّ الله قضى أن يمدّ في عمر عبده صالح العاروري، حتى يكون أحد مهندسي طوفان الأقصى. وختم له حياته، بحجّة، ثمّ جهاد، ثمّ استشهاد.. فأيّ إيمان حمله هذا الرّجل في قلبه حتّى يستحقّ كلّ هذه الكرامة من الله، نحسبه كذلك؟! ((إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)).
أمّا والدته التي لم تره منذ عشرين عاما، فحينما بلغها خبر استشهاده، حمدت الله وهنّأت ولدها على أنّه نال ما تمنّى.. ثبات عجيب قلّ نظيره في هذا الزّمان، قلبها موقن بأنّها ستراه عمّا قريب وستلتقي به في لقاء لا فراق بعده: ((الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ)).
أخته أم قتيبة، حينما سئلت عن موقفها من استشهاد شقيقها، قالت: “الحمد لله ربّ العالمين. هؤلاء اليهود لم يسلم منهم الأطفال، ولم تسلم منهم الأجنة في بطون أمهاتهم، كيف يسلم منهم القادة؟! دمه ليس خيرا من دماء أهل غزّة.. الحمد لله.. فداء الأقصى وفداء فلسطين”! فأيّ معدن من النّساء والرّجال هؤلاء الذين يعيشون في زماننا؟!
صالح العاروري وأصحابه، كان يمكنهم أن يركنوا إلى الدّنيا مثلنا ويهتمّوا بالمساكن وأسعار السيارات، ويذلّوا أنفسهم للدّنيا الدنية، لكنّهم أبوا أن يعيشوا حياة الذلّة والمهانة، واختاروا أن يعيشوا حياة العزّة والكرامة.. عندما أخرجوا من ديارهم وهُجّروا خارج فلسطين، كان في وسعهم أن يكتفوا بما قدّموا لقضيتهم وقضية أمّتهم، لكنّهم أبوا إلا أن يواصلوا المسيرة حتى يلقوا الله مجاهدين شهداء.
العاروري علّمنا أنّ من أراد أن ينصر فلسطين، فيمكن أن ينصرها في أيّ مكان ومن أيّ دولة، المهمّ أن يحمل الهمّ وينظر أقصى ما يستطيع تقديمه فيقدّمه.. تنقّل صاحب القضية بين سوريا وتركيا ولبنان، يبحث عن أنسب مكان ينصر من خلاله فلسطين، حتّى كان بفضل الله مسؤولا عن تسليح كتائب القسّام، وكان من عقولها المخطّطة في الخارج، وأعظم بها من مهمّة، أصابت الكيان الصهيونيّ في مقتل.
العاروري، الذي اغتيل في شقة متواضعة جنوب لبنان، أعطانا دليلا آخر على أنّ قادة المقاومة الإسلاميّة الموجودين في الخارج لمهام الإسناد، لا يعيشون في القصور والفيلات خارج فلسطين كما يزعم المنافقون الكاذبون، إنّما يعيشون عيشة متواضعة وقلوبهم مع إخوانهم في فلسطين، يتهدّدهم الاغتيال في كلّ مكان وفي كلّ لحظة، وقد ارتقى كثير منهم شهداء خارج فلسطين، ومنهم من قدّم أبناءه وأسرته داخل فلسطين.
العاروري علّمنا أنّه لا أفضل ولا أكرم للعبد المسلم من أن يسعى جاهدا ليعيش عزيزا كريما في هذه الدّنيا بعقيدته وقضايا أمته، لا يرتضي الهوان ولا يعطي الدنية في دينه.. كان العاروري قبل اعتقاله سنة 1992م من سكّان الضفّة الغربية، وكان في إمكانه أن يعيش العيشة التي رضيها بعض الأذلاء هناك، أولئك الذين أذلّوا أنفسهم للصهاينة ورضوا بأن يكونوا كلابا عندهم، يبلّغون عن المرابطين ويعينون الصهاينة في حربهم، لأجل دنيا فانية يظفرون بها، سكنات واسعة وسيارات فاخرة وأموال تدخل إلى أرصدتهم.. ورغم تعاونهم مع الصهاينة فإنّ الصهاينة يهينونهم ويذلّونهم، لأنّهم يعلمون أنّ من خان دينه وأمّته لا يؤتمن. أمّا العاروري فقد اختار أن يعيش حرا عزيزا بدينه وقضيته. عاش الدّنيا وعينه على الآخرة الباقية، يرجو أن يكون من سكّان أعالي الجنان مع الشّهداء قريبا من النبيين والصديقين. لسان حاله:
وإذا لَمْ يَكُن مِنَ المَوتِ بُدِّ * فَمِنَ العَـارِ أَنْ تَمُـوتَ جَبَانَـا
وهنا درس غاية في الأهمية، يحسن بك أن تعيه وتحفظه أخي المسلم: أنت مسلم أعزّك الله وشرّفك بهذا الدّين العظيم، ولا يليق بك أبدا أن تعيش عمرا طويلا لا همّ لك إلا الدّنيا الفانية، تعيش ذليلا لبطنك وحظوظك الفانية، تخنع وتخنس عن نصرة قضايا أمتك، لأجل خبزة أو راتب أو منصب. تريق حياءك وماء وجهك وتهدر كرامتك لأجل قفّة رمضان.. لا يليق بك أن تذلّ نفسك أمام مسؤول من المسؤولين لأجل أن تظفر بسكن أو قطعة أرض؛ ما كان حقا لك فخذه وأنت عزيز، وما لم يكن حقا لك فلا تأخذه ولو أتاك يطرق بابك.
إنّنا لفي أمسّ الحاجة لهذا الدّرس المهمّ في زماننا هذا! حين أصبح بعض المسلمين يصل الأمر بأحدهم إلى درجة أن يتساهل في عرضه لأجل حظّ من الدّنيا.. رجل مسلم يرسل زوجته لتقابل المسؤول فتحدّثه عن السّكن أو الأرض! رجل يرضى لزوجته أو ابنته أن تعمل في مكان تمتهن فيه كرامتها ويضايقها كلّ سفيه ساقط، لأجل دنانير معدودة.. رجل يرضى لنفسه بأن يتحوّل إلى واشٍ ونمّام عند مسؤول من المسؤولين لأجل ترقية أو كلمة ثناء من المسؤول.. رجل مسلم يحمل من أغلى الهدايا للمسؤولين، لكنّك إذا حدّثته عن إعانة أسرة فقيرة أو بناء مسجد، تعلّل واعتذر بقلّة المداخيل وكثرة المصاريف.
المرأة المسلمة أيضا، ينبغي لها أن تتذكّر دائما أنّها ستعيش حياة واحدة قصيرة، بعدها جنّة أو نار، ولا يليق بها أبدا أن تذلّ نفسها أمام مخلوق لا يملك رزقا ولا حياة ولا نشورا.. لا يجوز للطالبة المسلمة أن تذلّ نفسها لأجل علامة في الامتحان تريد الحصول عليها.. لا يجوز للمسلمة أن تتخلّى عن حجابها لأجل منصب فان.. لا يجوز للمسلمة أن ترضى بالتحرّش والاستفزاز من طرف مسؤول في العمل خوفا على منصب فان.. المرأة المسلمة ينبغي لها أن تكون لبؤة مهيبة يخاف مرضى النّفوس أن يقتربوا منها بكلمة أو إشارة.
صالح العاروري علّمنا كذلك أنّ الثّبات على الحقّ، ليس من نصيب العلماء والدّعاة والمشايخ وطلبة العلم وحدهم؛ فقد يثبت الرّجل صاحب العلم القليل واللحية القصيرة، وتزلّ قدم الشّيخ العالم صاحب اللحية الطّويلة.. كلّ وقلبه، كلّ وهمّته، وكلّ وهمّه.. صالح العاروري لم يقل يوما لا طاقة لنا بالصهاينة وجنودهم، وإنّما كان يقول: نحن أصحاب الحقّ، ((وما النّصر إلا من عند الله))، وكان يردّد: ((كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ)).. بينما كان بعض من يصنّفون علماءَ كبارا يصرّون على أنّ الجهاد لم تتحقّق شروطه، وأنّ المسلمين لا يملكون ما يمكّنهم من جهاد عدوّهم، بل إنّ بعض الدّعاة الذين يشار إليهم بالبنان وتلمّع أسماؤهم يقولون عن المرابطين ما قاله المنافقون من قبل عن الصحابة المجاهدين: ((غرّ هؤلاء دينهم))!

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!