العراق يرفع سقف المنافسة في مسابقة مهرجان وهران
بدأت المنافسة تشتد في فئة الأفلام الروائية الطويلة بعد أن رفع كل من الفيلم العراقي “الرحلة” والفيلم السوري “رجل وثلاثة أيام” السقف، في انتظار عرض الفيلم المغربي “دوار البوم” والفيلمان الجزائريان “إلى آخر الزمان” و”لم نكن أبطالا” والفيلم المصري “فوتوكوبي” والفيلم التونسي “تونس بالليل” والفيلم الإماراتي “عاشق عموري”.
غاص “رجل وثلاثة أيام” سيناريو وإخراج جود سعيد في عمق الأزمة السورية بكل تداعياتها على الإنسان السوري في المدن الكبرى أو في القرى النائية.. المثقف والفنان والبسيط والعسكري ومدى تأثير الوضع على نفسيتهم وعلى خياراتهم وعلى سلوكاتهم وعلى مواقفهم.
انطلق جود سعيد من قاعة المسرح ومن البداية أعلن عدم رضاه عن أداء الممثلات أدوارهن على الخشبة.. وعبر عن تذمر كبير وخيبة أمل وسرعان ما نقلنا إلى الحالة الأولى.. حالة الهروب من الواقع حيث تضمن الفيلم مشاهد للرقص وشرب الخمر واللهو، وبدأت هذه الحالة في التعقيد شيئا فشيئا عندما اختار المخرج أن يجتمع بفريق الممثلين في بيته لمواصلة سهرات الأنس والسمر هروبا من واقعه التعيس خاصة أنه سينفصل عن زوجته وهو القرار الذي اتضح في ما بعد أنه نتيجة تغير مزاجه وتصرفاته وتراجعه عن مبادئه ومحاولته الانسلاخ عن جذوره وكل ما من شأنه أن يذكره بأهله أو قريته الصغيرة.
حياة هذا المخرج في العاصمة دمشق بسيطة، يصنع تفاصيلها مجموعة من الأصدقاء منهم من اختفى ولم يسمع عنه أي خبر، ومنهم من اختار بيروت منفى له، ومنهم من ظل معه يصارع الوضع ويقاوم اليأس بالمشاركة في عمل مسرحي تعرقله الكثير من الصعوبات والأحداث أولها انفصاله عن زوجته بطلة المسرحية فلا يرى النور.
تتسارع الأحداث وتضعه أمام خيارات كثيرة ما يدخله في حالة من الاضطراب النفسي والبداية عند تسلمه جثة صديقه العسكري الذي يجب أن ينقله إلى أهله ليدفن في قريته.
هذه الحادثة عرت البطل أمام نفسه ووضعته وجها لوجه مع حقيقته التي كان يقبلها حينا ويتعايش معها وهي أنه إنسان جبان خائف من الموت يريد أن يحيا بسلام ولا يهمه ما يجري حوله ولا ما يحدث لغيره مادام هو في أمان. وأحيانا أخرى كثيرة تكسره هذه الحقيقة وتعذبه فيدخل في صراع مع نفسه ومع جثة صديقه التي ظلت في التابوت لمدة ثلاثة أيام قبل أن يتشجع ويقرر أن يأخذه إلى القرية ومواجهة قدره هناك مثل الجميع. قام المخرج بغسل جثة صديقه العسكري مع أن المتعارف عليه أن الشهيد لا يغسل قبل الدفن وهو ما يحيلنا إلى فكرة أن العسكري قتيل وليس شهيدا من وجهة نظر جود سعيد. والمفارقة، أن صديقه بدمشق الذي يؤدي دوره الفنان عبد المنعم عمايري الذي اختار الموت بالامتناع عن الدواء، دفنه في حديقة المتحف مثلما طلب منه وبملابسه ودون تغسيله، في إشارة أخرى إلى أنه وإن لم يقتل فهو شهيد قضت على آماله وأحلامه الأوضاع في البلد.
يقرر المخرج أخيرا إرجاع الجثة إلى القرية والمخاطرة والتعرض لمحاولة اغتيال من طرف قناصة.
النهاية كانت قوية ومعبرة جدا انتصر فيها جود سعيد للأرض.. لسوريا.
ويمكن اعتبار الفيلم نقطة تحول في موقف المخرج السوري جود سعيد الذي أضاء على الأزمة السورية منذ بدايتها بأفلام قوية أثارت الجدل في أكثر الأحيان وانتصر للوطن في هذا الفيلم الذي جاء في شكل محاكمة للنخبة ورسالة إلى الفنانين السوريين الذين تشرذموا بين مساندة نظام الأسد والمعارضة من الخارج.
من جهته، حقق الفيلم العراقي “الرحلة” للمخرج المتميز محمد الدراجي مساء أول أمس الجمعة، تجاوبا كبيرا من طرف جمهور المهرجان والنقاد، حيث وضع أصبعه على جرح لا يزال ينزف في العراق. كانت رحلة إنسانية دارت أحداثها في محطة قطار تلتقي فيها سارة وهي فتاة غامضة جدا بضحاياها المفترضين في حال نفذت العملية الانتحارية التي خطط لها. وأبدعت بطلة الفيلم زهراء غندور في أداء الدور حيث كانت نقطة القوة فيه وجسدت باحترافية عالية شخصية الفتاة المضطربة غير المستقرة.
للإشارة، فإنه عرض فيلما “نور” وهو فيلم لبناني من إخراج خليل زعرور وفيلم “واجب” وهو فيلم فلسطيني للمخرجة “أن ماري جاسر”.