العربي بن مهيدي لإنقاذ المجتمع!
الذين اعتبروا ما يحدث في المجتمع الجزائري، من جرائم غريبة، أمرا عاديا، ويحدث في كل بلاد العالم، بدؤوا يقتنعون بأن الكأس قد فاضت، بقطرتي الدم الأخيرتين، اللتين سالتا من جسدي الصغيرين “مريم” و”أنس”، اللذين من دون أي ذنب ولا “أف” تقوّلاه، تعرّضا للذبح وللشنق من والدتهما، فاقتنع الجميع بأن الأمر ليس حالة استثنائية، ولا غمامات جريمة عابرة، بعد أن طال فصل الموت بزمهريره المرعب، وأمطاره الدموية الحمراء، وصار القتل “وظيفة” يمارسها المجرم والطفل والمثقف والثري، وحتى الأمهات اللواتي تحت أقدامهن جنة النعيم.
وحتى نكون عادلين، فإن ما حدث مع بداية الدخول الاجتماعي الحالي، من جرائم بشعة في أم البواقي والعاصمة وقسنطينة، وفي غيرها من المدن والقرى، يتحمّل مسؤوليتها الجميع: من دولة، عجزت عن التعامل مع المجرم فصال وجال ذبحا وتنكيلا، وعجزت عن حماية ضحية لا تدري بأي ذنب قتلت، ومن شعب أيضا لعب دور جمهور القاعات السينمائية الذي يتابع الفيلم، ويكتفي في نهاية العرض بالتعليق حول دور هذا البطل، أو تلك البطلة، فمرّت السنوات وتعدّدت الأفلام وتنوعت، وأصبح لهذه القاعات، بدل المهرجان الدامي الواحد، مهرجانات، تنتهي كل أفلامها بمقتل البطل وهروب القاتل، من دون حكم رادع.
المبادرة الأخيرة التي تفضل بها عددٌ من الأئمة، الذين طالبوا بإنزال الخطاب المسجدي إلى الشارع، قد تكون الأجدر بالتثمين، بعد أن صار الخطاب الديني “أمرا بمهمة”، يؤديها الإمام، بقراءة بعض الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة، حيث ينزل من المنبر ليصلي ويسلّم، ويتفرق الجمع، ظنا منهم أنه ذكّر حيث تنفع الذكرى المؤمنين، ليعود في الأسبوع الذي يليه، ليكرّر ما قاله، ولكن مع جريمةٍ دامية أخرى.
لقد فعلها الشهيد العربي بن مهيدي، عندما لاحظ أن خطاب الثورة يدور بين رموزها وبين بعض الصالونات السرية أو في الغابات والجبال من دون جدوى، فقال قولته الشهيرة: “ألقوا بالثورة في الشارع، يحتضنها الشعب”، ولم تمرّ سوى بضعة أسابيع حتى عجز المستعمِر، عن تنفيذ مخططاته، ولم تمرّ سوى سنوات حتى كان الانتصار حليف الثورة، التي نزلت إلى الشعب.
وقد تكون المبادرة الجديدة لأجل قهر “استعمار” الجرائم البشعة، التي خنقت الجزائريين، هي الحل الأمثل في الوقت الراهن، لإخراج المبادرة من أوراق الصحف وقاعات علماء الاجتماع ومنابر المساجد إلى شارع هو المتضرر الأول، وربما الوحيد، من هذه المجازر التي يشهدها.
متى وكيف نرمي بالمبادرة إلى الشارع؟ ومن هو الشعب؟ وكيف نقنعه باحتضانها؟ هي المرحلة الثانية من المهمّة الجديدة التي من المفروض أن تنطلق لأجل إنقاذ المجتمع من هذه الجرائم التي صار ينقلها الإعلام العالمي، من درجة بشاعتها، وسيكون من الإنصاف أن نثني على أصحاب المبادرة، الذين ضمنوا أجر الاجتهاد، على أمل أن تنجح المبادرة في التقليل من الجرائم، ولا نقول توقيفها نهائيا، وحينها سيكون الأجر مضاعفا، في بلد صار فيه قابيل يقتل هابيل، من دون أن يواري سوءة أخيه، ولا هو من النادمين.