الفأس على الرأس!
ملف التقاعد المسبق تحوّل إلى قضية رأي عام، وربما قضية حياة أو موت، وتصوّروا لما يُودع أكثر من 80 ألف عامل وموظف ملفاتهم من أجل “الهروب” من مناصب عملهم، قبل نهاية ديسمبر القادم، تاريخ آخر أجل للعمل بقانون التقاعد القديم، وقبل إلغاء التقاعد المسبق، وقبل أن يسقط الفأس على الرأس!
النقابات في مختلف القطاعات حوّلت الملف إلى مادة دسمة، تغذي بها نشاطها وتحركاتها، والحكومة بكلّ وزاراتها تصرّ إلحاحا على أن استمرار التقاعد المسبق سيُفلس الصندوق الوطني للتقاعد، وأن هذا الإجراء كان اضطراريا ومؤقتا خلال سنوات التسعينيات، والآن بالقانون الجديد، تعود الأمور إلى نصابها الطبيعي!
النقابات المستقلة تدافع عن التقاعد المسبق كمكسب لا ينبغي تضييعه حتى وإن كان “خارج القانون” وكان ظرفيا انتهى بانتهاء الظرف الذي فرضه، والمركزية النقابية شاركت الحكومة والباترونا في اجتماع الثلاثية، ووقعت على “شهادة الوفاة”، لكنها أرسلت ممثلين عنها إلى المنطقة الصناعية وسوناكوم حتى تتبنى مطالب العمال وحتى لا يضيع الجمل بما حمل!
صراع النقابات “الموالية” والمعارضة”، أصبح جوهر الموضوع، ولم يعد العامل البسيط يفهم ما يحدث، سوى أنه يُريد الإبقاء على التقاعد المسبق وعدم اغتيال قانون عاش نحو 20 سنة، استفاد منه، وارتاح بسببه، لكن “الندّابات” لا تتعب نفسها بإفهام الموظفين، لكنها تتحارب في ما بينها، لأهداف إذا تحققت لن تفيد البسطاء قيد أنملة!
على هؤلاء وأولئك أن يعترفوا جميعا، بلا عقدة أو خوف، بأنهم فشلوا في إقناع الأغلبية المسحوقة من العمال والموظفين، بجدوى الإلغاء أو الإبقاء، ولذلك تكاد تغرّد النقابات خارج السرب، أو في أحسن الأحوال تغرّد بما لا يسمعه العمال ممّن يرفعون يافطة “يا سعدك يا لطرش”!
الوزراء كذلك، انتقلوا إلى خطة “أحسن الدفاع الهجوم”، فقد فشلوا في امتصاص غضب المحتجين والهاربين، وعجزوا عن ابتكار البدائل التي “ما تجوّع ذيب ما تغضب راعي”، ولذلك لا تجد سوى التخويف بإمكانية إفلاس “شحيحة” الموتى-قاعدين، في رسالة موجهة إلى العمال تعطي الانطباع بأن خسارة الصوف أفضل من خسارة الخروف!
أعتقد، وربما أكون مخطئنا، أن المشكل ليس في التقاعد، مسبقا كان أم متأخرا، أم حتى بأثر رجعي، ولكن الإشكالية هي لماذا هذا الإصرار على “الهروب الجماعي” من الوظائف في “سنّ مبكرة”؟