الكاميرا الخفية.. بين الاستهتار بالمحرّمات والتّغرير بالمحرومين!
منذ عقود من الزّمان، وبعض المحسوبين على الفنّ والثّقافة في البلاد العربيّة والإسلاميّة، يُمْعنون في الاستخفاف بحرمة الشّهر الفضيل، ويصرّون على رصد برامج أقلّ ما يقال عنها إنّها غير ذات قيمة، لتُعرض على القنوات في ساعة الإفطار التي تجاب فيها الدّعوات، ويُفترض أن يهتمّ فيها الصّائم بالبحث عمّا يرقّق قلبه ويهذّب روحه استعدادا لصلاة القيام، لكنّ هؤلاء الفنّانين يجعلون نصب أعينهم هدفا واحدا ووحيدا هو الإلهاء والإضحاك، لذلك تجدهم يلهثون خلف الإثارة والتّشويق بحيل وأساليب تأباها الفطر السّليمة.
لعلّ من أكثر البرامج التي أصبحت تستهوي بعض المحسوبين على الفنّ والإعلام والثّقافة في السّنوات الأخيرة، برنامج الكاميرا الخفية الذي أصبحت الإثارة والخداع والتّرويع مادّته الأساسية، بعيدا عن المثل العليا والأخلاق والقيم النبيلة التي كان يفترض في المخرجين والمنتجين أن يركّزوا عليها، على الأقلّ في شهر رمضان!
في رمضان هذا العام، كنّا نتوقّع أن يَكبح وباء كورونا المنتجين والمخرجين عن الانحدار أكثر في درك اللّهث خلف الإثارة، ويحملهم على مراعاة الواقع والحال، لكنّ بعضهم أبوا –مع كلّ أسف- إلا الذّهاب بعيدا في الإسفاف وقلّة الدّين والحياء، حتّى وصل الأمر ببعضهم إلى حدّ السّخرية من وباء كورونا ومن تعامل النّاس معه! بينما أصرّ صنف آخر من المنتجين والمخرجين على مواصلة خيار التّرويع والخداع بأساليب بلغت في الخسّة غايتها! ومن ذلك أنّ إحدى القنوات عندنا، لم يجد المخرجون الذين اعتمدت عليهم القناة في اختيار مواضيع جديدة لبرنامج الكاميرا الخفية لهذا العام، سوى الاستهزاء بمعاناة بعض الشّباب مع العزوبية، والاستهتار بشعيرة الزّواج التي سمّاها المولى سبحانه ميثاقا غليظا، حيث استضافت القناة شابًّا فقيرا تجاوز الـ35 من عمره من دون أن يتمكّن من الظّفر بزوجة يأوي إليها؛ استضافته القناة في برنامج الكاميرا الخفية، وتظاهرت بأنّها تريد مساعدته في إتمام نصف دينه، وعرضت عليه امرأة موظّفة تملك سكنا خاصًّا، على أنّها المرأة التي ارتضته زوجا لها.
وذهب مقدّم البرنامج بعيدا في التّغرير بالشابّ المسكين، حتى تفتّحت أسارير وجهه وبلغت دهشته مداها وهو لا يكاد يصدّق نفسه من الفرح، وقبيل الانطلاق بزوجته، يفاجئه مقدّم البرنامج بأنّ كلّ ما سمعه ورآه كان تمثيلية تُعرض في برنامج الكاميرا الخفية في شهر رمضان! مشهد بكت له عيون، وانطلقت أقلام وألسن تستنكر هذه الجرأة على دين الله، وعلى شعيرة بلغت في أهميتها أنّها تعدل نصف الدّين، وتشجب الإمعان في الاستخفاف بمعاناة الفقراء والمحرومين!
ألا يعلم هواة الإثارة أنّ هذا الذي فعلوه ليس من اللّمم وصغائر الإثم، إنّما هو عند الله من كبائر الذّنوب وعظائمها؟ ألا يعلمون أنّ العبث بشعائر الدّين قد يودي بصاحبه في الدّنيا والآخرة؟ ألا يعلمون أنّ الزّواج والطّلاق لا يقبلان الهزل والمزاح، وأنّ من قال لرجل –مثلا-: زوّجتك ابنتي، وهو لا يريد إلا المزاح، لا يٌعبأ بمزاحه وينعقد الزّواج؟ ألا يعلم محترفو الإثارة هؤلاء أنّ الأمّ إذا قالت لولدها: “تعال أعطِك شيئا”، ثمّ لم تُعطه، تُكتب عند الله مُذنبة آثمة؛ كيف بمن يكذب على شابّ مسلم اكتوى بنار الفقر والعزوبية؟