-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

اللغة الفرنسية: متاهات تاريخية وصعوبات في تدريسها!

اللغة الفرنسية: متاهات تاريخية وصعوبات في تدريسها!
ح. م
باتريك شارودو

باتريك شارودو Patrick Charaudeau(87 سنة)، أستاذ فخري في جامعة السوربون، متخصص في اللسانيات، وله اهتمامات بعلم دلالات اللغة، والفلسفة، والنحو، وتدريس اللغة الفرنسية. وهو صاحب كتاب حول اللغة الفرنسية وقواعدها عنوانه “نحْوُ المعنى والتعبير” (Grammaire du sens et de l’expression) الذي نشر قبل عقود ولا زال يعرف طبعات متوالية. نشر شارودو مقالا في جريدة “لوموند” في مطلع شهر جوان بعنوان “لا أحد يجهل صعوبات اللغة الفرنسية المكتوبة” كتعقيب على وزير التربية الفرنسي عندما ثارت ثائرته بسبب تدني مستوى تحكم التلميذ الفرنسي في القواعد الإملائية والنحوية. ذلك ما ندركه من خلال تصربح هذا الوزير في منتصف شهر ماي الماضي حيث قال: “لن تحصل أي ورقة امتحان [في البكالوريا] تفتقر إلى المستوى المطلوب في الإملاء والنحو والتركيب، على معدل النجاح في شهادة البكالوريا”. 

والمفارقة أن هذه الحقيقة التي يقرّ بها اللسانيون والمسؤولون صراحةً، ويترتب عليها الحكم على مستوى التلميذ في الامتحان، تكاد تغيب تمامًا عن خطاب الخبراء عندنا، ولا سيما أولئك الذين ينادون بتمكين اللغة الفرنسية في الجزائر. فلماذا يصمت هؤلاء عن هذه الظاهرة، أو يتجنبون حتى مجرد طرحها، كلما تعلق الأمر بالدفاع عن مكانة الفرنسية؟

1. تناقض: نعترف بالصعوبة ونرفض التغيير

أما شارودو فافتتح مقاله بإحياء الجدل القديم الجديد حول ضرورة إصلاح القواعد الإملائية للغة الفرنسية ورفض اختزال المشكلة في السؤال: هل نحافظ على قواعد اللغة أو نغيرها؟ معتبرا أن الجدل يدور حول جانب سطحي للقضية بينما يكمن العمق في مكان آخر.

يستند شارودو إلى استطلاع رأي أجراه معهد “إيفوب” IFOP عام 2023، يكشف عن تناقض صارخ في موقف الفرنسيين من لغتهم. ففي الوقت الذي يرى فيه 62% منهم أن اللغة الفرنسية صعبة، يعتبر 85% أن مستواهم في الإملاء جيد. وهذا التناقض يتعمق أكثر عندما يعترف ربع المستجوبين بأن القواعد الإملائية كانت عائقا في مسارهم الدراسي أو المهني، لكنهم في المقابل يعارضون، بأغلبية 64%، أي مسعى لتبسيطها. إنهم يولون أهمية كبرى للإملاء في المدرسة باعتبارها مفتاح النجاح الاجتماعي، لكنهم يرفضون في الوقت نفسه التغيير، وكأن الصعوبة ذاتها هي ما يمنح اللغة قيمتها الرمزية ومكانتها الاجتماعية.

لكن الواقع الإحصائي يفند هذه الصورة المتفائلة. فقد أظهرت دراسة صادرة عن مديرية التقييم والاستشراف والأداء في جانفي 2023 أن تلاميذ السنة الخامسة الابتدائية يرتكبون اليوم ضعف عدد الأخطاء التي كان يرتكبها زملاؤهم قبل 40 سنة في الإملاء نفسه. كما كشفت احصائيات أن اختبارا في الإملاء أدى إلى حصول 58% فقط من الفرنسيين على نقطة تفوق 6 من 10، وحصول خُمُسِهم فقط على علامة تجاوزت 8.5/10. ويستخلص الخبير أن الفرنسي يعيش في وهم يجعله يعتقد أن له كفاءة لغوية مقبولة، وهو وهم يصطدم بواقع تراجع التحكم في القواعد اللغوية الفرنسية لا يمكن إنكاره.

ويواصل شارودو تحليله بالانتقال إلى المستوى البنيوي، فيذكر أن الإملاء الفرنسية صعبة، وأن هذه الصعوبة ليست انطباعا شخصيا، بل حقيقة تاريخية ولغوية. فهو يضرب أمثلة عديدة على عدم التطابق بين الصوت والحرف، مثل تعدد كتابات الصوت s بسبعة أشكال مختلفة، أو الصوت o بستة أشكال (o, -eau, -ault, -aut, -aud, -eaud)، ناهيك عن الحروف الصامتة التي تُكتب ولا تُنطق  مثل الحرف c في  tabac والحرف p في  sculpteur والحرف b في  plomb والحرف  d في  blond.

2. متاهات وأخطاء تاريخية

يوضح شارودو السبب التاريخي، فيقول: “لم يكن ذلك بالأمر الهيّن بالنسبة إلى الخطّاطين والنسّاخ في العصور الماضية، إذ كانوا ممزقين بين الحرص على تمثيل أصوات اللغة المنطوقة صوتًا بصوت، وبين الرغبة في استحضار أصول الكلمات واشتقاقها. ذلك أن هذه هي إحدى خصائص اللغة الفرنسية الموروثة عن القرن السادس عشر، التي كانت تسعى -تحت تأثير ‘النزعة الإنسانية’ لعصر النهضة- إلى استعادة الثقافة القديمة. ومن ثمّ، فإن عدم التطابق بين الحروف والأصوات يمثل طريقة للتذكير بأصل اللغة الفرنسية، وإدراجها ضمن مسار تاريخي”.

لكن شارودو لا يكتفي بذكر الصعوبات، بل يذهب إلى كشف التناقضات والأخطاء التاريخية التي تخترق الإملاء الفرنسية، مثل كتابة كلمة poids بحرف d خطأً، أو اللامنطق في كتابة chariot بحرف r واحد في حين نجد charrette بحرف r مكرر، وكذلك الأمر بالنسبة لـ charrue مع أن كل هذه الكلمات مشتقة من الكلمة اللاتينية carrus. كما أن هناك أخطاء النسّاخ التي رسّخت صيغة الجمع في الكلمات المنتهية بـ -au و -ou بحرف x بدل s. فتعدد هذه الحالات الشاذة، حسب شارودو، هو الذي تجعل من الإملاء  الفرنسية وقواعدها متاهة، ليس للتلاميذ الصغار فحسب، بل أيضا للأجانب الذين يتعلمون الفرنسية وللبالغين في حياتهم المهنية. وهنا تبرز الإشكالية الحقيقية. ويتساءل شارودو: كيف يمكن لنظام كتابة أن يكون بهذا الغموض والتعقيد، وفي الوقت نفسه يُطلب من الجميع إتقانه كشرط للنجاح والتقدم الاجتماعي؟

ثم ينتقل إلى السؤال الأكثر إثارة: إذا كانت الإملاء لم تتغيّر خلال أربعين عاما، فلماذا تراجع مستوى التلاميذ اليوم؟ يرفض شارودو رفضا قاطعا تفسير التراجع بتدني درجة الذكاء أو القدرات العقلية للأجيال الجديدة، معتبرا أن هذا الافتراض غير علمي ومثير للقلق… “فكأننا ندّعي أن سوء ترتيب التلاميذ في مادة الرياضيات مردّه إلى صعوبة هذه المادة”.

3. من تعقيدات اللغة إلى أزمة التعليم والفوارق الاجتماعية

في المقابل يطرح  الكاتب مجموعة من الفرضيات الأخرى، مثل تأثير الرقمنة والرسائل النصية القصيرة ووسائل التواصل الاجتماعي، لكنه يتدارك مشيرا إلى أن كل جيل كان يطور “لغته المشفرة” الخاصة، دون أن يفقد القدرة على إتقان اللغة الرسمية. لذا فإن الرقمنة ليست العامل الوحيد ولا العامل الحاسم في هذا التدهور.

وهنا يصل شارودو إلى ما يمكن اعتباره خلاصته الأساسية، وهي أن أساس المشكلة لا يكمن في تعقيدات اللغة في حد ذاتها (رغم وجودها)، بل في نظام التعليم وظروف التعلم والفوارق الاجتماعية لأطفال المدارس. فالتلاميذ في فرنسا ذوو الخلفيات الاجتماعية المتواضعة هم الأكثر تضررا، وهذا ما تؤكده الدراسات التي تربط الأداء في الإملاء بالمستوى العام للتمكن من اللغة وبالمحيط الاجتماعي للأسرة. وبذلك تتحوّل الإملاء من كونها مسألة تقنية إلى قضية اجتماعية وسياسية تعكس أعمق الفوارق في المجتمع الفرنسي. وهنا يمكن نقد موقف شارودو بأنه يزيح المسؤولية عن السياسات التعليمية ويحملها للظروف الاجتماعية، دون أن يقدم حلولا ملموسة لكيفية تدريس هذه الإملاء المعقدة في أقسام تعجّ بالفوارق.

في خاتمة مقاله، يدعو شارودو إلى تحويل الأنظار نحو شروط التعليم وممارساته، بدلا من الانشغال بإصلاح الإملاء أو الدفاع عنها. فالإملاء، في رأيه، مجرد نظام ترميز، وأي نظام ترميز مهما كان معقدا يمكن تعلمه إذا توفرت السبل المناسبة. لكن الكاتب يبدي قلقه من تنامي نزعة الاعتماد على الذكاء الاصطناعي، كما ورد في عبارة أحد الطلبة إذ قال: “لم نعد بحاجة إلى تعلم الكتابة، لأننا نستطيع أن نكتب أي شيء ونرسله إلى جي بي تي”. هذه العبارة، في نظر شارودو، تعكس أزمة أعمق من الإملاء، هي أزمة علاقة الجيل الجديد بالمعرفة والجهد والتفكير الذاتي. لكن يمكن أن نوجّه نقدا آخر لشارودو في هذا الباب، وهو أنه يطرح المشكلة دون أن يقدم رؤية واضحة عن كيفية التوفيق بين الحفاظ على الهوية التاريخية للغة الفرنسية، وبين جعلها في متناول الجميع داخل وخارج فرنسا في عصر الرقمنة.

دعنا في الأخير نلتفت إلى خبرائنا الذين يحزنهم تدنّي مستوى اللغة الفرنسية في الجزائر، لنقول: إنّ الإشكال الحقيقي عندنا لا يكمن في تحديد السنة التي نبدأ فيها تدريس اللغة الفرنسية، سواء كانت الثالثة أو الرابعة، ولا في عدد الساعات المخصصة لها في البرنامج الدراسي. فالعبرة ليست في المدة الزمنية، بل في جودة الممارسة البيداغوجية وملاءمتها لخصوصية التلميذ الجزائري، لبيئته، ولثقافته، ولطريقة تكوّنه الذهني.

لكن هذه هي المسألة الجوهرية التي ينبغي لخبرائنا التربويين -أولئك الذين يرفعون شعار النهوض بالفرنسية في مدرستنا- أن ينكبّوا على دراستها بجدّ وموضوعية، بدلا من الاختباء وراء خطاب التهويل، والاكتفاء بالمطالبة بزيادة الحجم الساعي، وكأنّ الحلّ السحري يكمن في الكمّ لا في الكيف. وكان الأجدى بهم، بل من صميم مسؤوليتهم، أن يسألوا أنفسهم: كيف نعلّم الفرنسية لأطفالنا في الجزائر كلغة أجنبية معقّدة القواعد؟ وليس: كم ساعة نخصص لها؟ !

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!