الماورائيات السيبرانية.. قاعدة حروب الجيل الخامس
العالم يسير بخطى عملاقة ومتسارعة نحو آفاق مجهولة، لا أحد يعرف مداها ولا منتهاها. إنّه عالم: ما بعد الحقيقة أو “النانو تكنولوجيا”. عالم زاوج بين حياة الواقع وحياة المواقع، لم يعد يفرّق بين الحقيقة والخيال وبين الطبيعة والافتراض، فأصبح عبارة عن أرقام وهمية بداخل شبكة عنكبوتية أحكمت خيوطها على الجميع، حتى أضحوا سجناء جدران “الواب” بامتياز.
إنّ التحوّلات الكبيرة التي شهدتها البشرية في العقدين الأخيرين، أفسحت المجال واسعا أمام ميليشيات الرقمنة من أجل بسط نفوذهم على الدول والحكومات باستعمال الضربات السيبرانية، في واحدة من أكبر الوسائل المعتمدة في حروب الجيل الخامس.
هجمات سيبرانية على مدار اليوم والشهر والسنة، الهدف منها إضعاف الدولة المنافسة وكشف خباياها وأسرارها في شتى المجالات الحيوية، فما المقصود بالهجمات السيبرانية؟
يتفق خبراء (النت) على أنّ الهجوم السيبراني أو “الهجوم الإلكتروني” هو: أي نوع من المناورة الهجومية التي تستهدف أنظمة معلومات الكمبيوتر، أو البنية التحتية أو شبكات الكمبيوتر أو أجهزة الكمبيوتر الشخصية. قد يكون المهاجم في الحروب السيبرانية شخصا أو أجهزة دول تودّ الوصول إلى البيانات أو الوظائف أو المناطق المحظورة دون إذن بقصد تخريبي، ويمكن أن تكون الهجمات الإلكترونية جزءًا من الحرب الإلكترونية أو الإرهاب الإلكتروني. كما يمكن استخدام الهجوم الإلكتروني من قِبل دول ذات سيادة أو أفراد أو مجموعات أو منظمات وعصابات، وقد تكون هذه الهجمات الإلكترونية (السيبرانية) من مصادر مجهولة. وعليه، ماذا نقصد بالفضاء السيبراني؟
الفضاء السيبراني، أو عالم الحاسوب الافتراضي، هو مجال افتراضي من صنع الإنسان، هو البعد الخامس للحوكمة. (الإنصاف الإلكتروني والشفافية الإلكترونية والمساءلة الإلكترونية والمسؤولية الإلكترونية) هو أيضا البيئة التفاعلية الحديثة. وهو أحد العناصر الأساسية المؤثرة في النظام الدولي والإقليمي نتيجة قدرته على عملية التعبئة، وقدرته على التأثير في مختلف مناحي الحياة (السياسية والعسكرية والاجتماعية).
ويتميّز الفضاء السيبراني بخصائص جمّة، لعلّ أهمّها يكمن في ما يلي:
1- مرونة التعريف على هوية المستخدم (إمكانية التعريف بهوية المستخدم – إمكانية إخفاء الهوية – إمكانية إنشاء هوية وهمية ومزيفة).
2- التواصل للجميع.
3- التواصل في أي وقت وفي أي مكان.
4- تسهيل التفاعل.
5- خاصية اللامركزية
وتتميّز الحرب السيبرانية، بأنّها حرب تخاض في الحواسيب بعيدا عن ميدان المعركة والأسلحة التقليدية، ولا تحتاج إلاّ إلى لوحة مفاتيح وحاسوب متصل بالإنترنت، وتعتبر حربا منخفضة التكلفة، كما أنها تفصح عن مستقبل الحروب في العالم، ويبقى الهدف المنشود من هذه الحروب السيبرانية، هو إضعاف أو تعطيل أو تدمير دولة أخرى، وإلحاق الضرر بها وبمصالحها من خلال مجموعة من التهديدات السيبرانية تتراوح من الدعاية إلى التجسس وصولا إلى تعطيل البنى التحتية للدولة المستهدفة.
الفضاء السيبراني.. محور تحوّل موازين القوى العالمية
في ظل التحوّلات الجيو- استراتيجية التي يشهدها عالم اليوم وبالخصوص التحوّلات، التي مسّت كيانات كانت تظهر للعالم على أنّها تحوز من القوّة العسكرية ما يجعلها تلعب دور ”دركي العالم”، على غرار الولايات الأمريكية وأذنابها من الغرب ومن الكيان الصهيوني الإسرائيلي، في ظل هذه التحولات، أتاح الفضاء السيبراني الفرصة لعديد الدول الأخرى التي باتت تستطيع شل الحركة في دولة خصم، دون دخول حرب عسكرية أو احتلال الأرض، بل عبر الهجمات السيبرانية، على غرار الصين وكوريا الشمالية وروسيا والهند وباكستان.. وغيرها.
بيغاسوس.. نموذج حي للحروب السيبرانية
الحرب السيبرانية هي الصورة الأخطر من الحروب الحديثة فأهدافها ليست مجرّد نشر معلومات مغلوطة أو كاذبة، بل تتمثل في مهاجمة المواقع الحكومية والعسكرية الحساسة، وسرقة معلومات مخابراتية سرّية، أو تضليل قوات الجيش وتشتيتها.
وهو ما قامت به الدولة العبرية الصهيونية، باستعمالها برمجيّة بيغاسوس (برنامج تجسّسي يخترق الهواتف المحمولة). هذه البرمجية قادرة على قراءة الرسائل النصية، وتتبع المكالمات، وجمع كلمات السر، وتتبع موقع أو مكان الهاتف وكذا جمع كلّ المعلومات التي تُخزنها التطبيقات. تطبيق “بيغاسيس” أثار موجة من الغضب على المستوى الدولي وكذا المحكمة الأوروبية ببروكسل، لكون معظم ضحايا هذا التطبيق كانوا من أعضاء البرلمان الأوروبي، وهو ما أثار بالمقابل حفيظة دول أوروبا المنتمية إلى الاتحاد، ولكنّها في الوقت ذاته داعمة للكيان الصهيوني.
وبحسب خبراء التكنولوجيات الحديثة، فإنّ الحروب السيبرانية تعتمد في الوقت الراهن على الميتافيرس، كأسلوب حداثي لزعزعة الإنسان وتجريده من بشريته بشكلي تصاعدي، وهو ما ينم عن الحقد الدفين الذي يحمله أصحاب هذا المشروع اللا-بشري اتجاه البشرية برمّتها، كما أنّ أصحاب هذا المشروع يستشرفون للقضاء على الحياة الإنسانية كلّيا، بالاعتماد على تطبيقات الذكاء الاصطناعي، والدفع بالبشر لخوض تجربة الخيال الآدمي، ليتحوّل في آخر المطاف إلى مزيج بين الآلة والإنسان، على أن تتغلّب الآلة في آخر المطاف ويبقى الإنسان رهين أفكارها المجرّدة من المشاعر والخيال والعواطف. ولتأكيد هذه المقاربة، وجب علينا اللجوء إلى التأصيل المفاهيمي، للوقوف عند الغايات والمبررات.
فما هو الميتافيرس؟
هو عالم افتراضي، غالبا ما يستخدم لوصف نسخة مستقبلية من الإنترنت، حيث يمكن الوصول إلى المساحات الافتراضية والدائمة والمشتركة عبر تفاعل ثلاثي الأبعاد أو ثنائي الأبعاد في مؤتمرات الفيديو.
الميتافيرس، هو مساحة مشتركة افتراضية جماعية، تمّ إنشاؤها عن طريق تقارب الواقع المادي المعزّز فعليا والفضاء الافتراضي الثابت جسديا.
نقصد أيضا بالميتافيرس:
• ما وراء العالم أو العالم الماورائي
• الدمج بين العالم الحقيقي والعالم الافتراضي
• مصطلح مرتبط بالخيال العلمي
• حرب هندسة البشر بين يقظة الواقع وصناعة الوهم الافتراضي.
هو أيضا:
• عالم افتراضي، غالبا ما يستخدم لوصف نسخة مستقبلية من الإنترنت، حيث يمكن الوصول إلى المساحات الافتراضية والدائمة والمشتركة عبر تفاعل ثلاثي الأبعاد أو ثنائي الأبعاد في مؤتمرات الفيديو.
• هو مساحة مشتركة افتراضية جماعية، تمّ إنشاؤها عن طريق تقارب الواقع المادي المعزّز فعليا والفضاء الافتراضي الثابت جسديا.
لقد تطوّر مفهوم الميتافرس مع ظهور الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء الذي جعل من إمكانية التفاعل بين الأشياء المادية والعالم الافتراضي ممكناً.
بهذا، يعتبر الميتا فيرس أو العالم الماورائى، طريقة لسدّ العجز الواقع بين العالم الحقيقي الذي يعيش فيه الأفراد، والعالم الرقمي الذي يتم التعامل فيه خلف الشاشات وصولًا إلى عالم ثالث يمكن للأشخاص العيش فيه ومقابلة الأشخاص ونقل مشاعرهم من خلال نظارات الواقع المعزّز والقفازات والسترات ذات أنظمة الاستشعار.
ونخلص في الأخير بالقول إنّ: الميتافيرس هو فاعل من فواعل الحروب السيبرانية أو يمكن أن نطلق عليه تسمية: “الماورائيات السيبرانية”.