المدرسة الخاصة بين النص والتطبيق
يجب التمييز بين مؤسسة التعليم الخاصة وخوصصة التعليم، فالأولى تعني استحداث مؤسسات خاصة يمتلكها أفراد، أما الخوصصة فتعني التنازل عن مؤسسة تعليم عمومية لتؤول ملكية خاصة، كما جرى في القطاع الاقتصادي وما سمي “خوصصة المؤسسات العمومية” .
هذا من حيث التعريف، أما على مستوى الغاية، فيُنظر إلى هذه المدرسة من زاوية القيمة المضافة التي تحققها إلى جانب المدرسة العمومية، ومدى انسجامها مع مشروع المدرسة الوطنية المعرفة في الدستور وقوانين الدولة.
تكفلت المادة 2 من المرسوم التنفيذي رقم 04 – 90 المؤرخ في 24 مارس سنة 2004، والذي يحدد شروط إنشاء مؤسسات التربية والتعليم الخاصة وفتحها ومراقبتها في مادته الثانية، بتعريفها أنها (كل مؤسسة للتربية والتعليم التحضيري والابتدائي والمتوسط والثانوي ينشئها شخص طبيعي أو معنوي خاضع للقانون الخاص، تقدم تعليما بمقابل)، وبهذا التعريف تقع في المجال المقابل للمؤسسة العمومية التي تقدم تعليما مجانيا، وهو حق مكفول لكل طفل جزائري بلغ سن الدراسة.
أمرية 1976 وتحديدا المادة 10 منها، منعت نهائيا فتح أي مؤسسة تعليم خاصة، فالنظام التربوي الوطني لا يمكن إسناده للخواص لأنه “من اختصاص الدولة، ولا يسمح بأي مبادرة فردية أو جماعية خارج الإطار المحدد بهذا الأمر”، غير أن فكرة المدرسة الخاصة كانت قائمة منذ مطلع التسعينيات بمسمى “المدرسة الخاصة المدعومة” 1.
وقد ساد هذا الوضع إلى غاية صدور القانون التوجيهي للتربية في 2008، والذي أعاد النظر جذريا في أحكام الأمرية المشار إليها سابقا وخاصة في أحكامه التي تضمنتها المواد (من 57 إلى 65)، والتي تسمح بفتح مؤسسات تعليم خاصة ضمن شروط وضوابط محددة ( لكل شخص طبيعي أو معنوي خاضع للقانون الخاص، وتتوفر فيه الشروط المحددة قانونا، الحق في فتح مؤسسات خاصة للتربية والتعليم– المادة 58 الفقرة الأولى)، وفي المقابل يُمنع خوصصة المؤسسات التعليمية العمومية بناء على ما ورد في الفقرة الأخيرة من هذه المادة (لا يمكن ومهما كانت الأسباب خوصصة المؤسسات المدرسية العمومية)، كما تشترط الفقرة الثانية منها (أن يتمتع مدير مؤسسة خاصة للتربية والتعليم بالجنسية الجزائرية).
قد تؤول هذه المدرسة لتكون مدرسة لـ”أبناء الخواص” إذ يتعذر على عموم التلاميذ -وهم الأغلبية الساحقة- ولوج هذه المدرسة التي تقدّم تعليما بمقابل، والذي سيكون باهظا بلا شك، والنتيجة أن تتشكل مدرسة تمييزية ذات طابع انتقائي، بما يخالف الدستور وقوانين الدولة، وبدل أن تتميز المدرسة الجزائرية بوحدتها تنقسم إلى مدرستين متباينتين.
ودرءا لأي تجاوز قد ينعكس سلبا على التلميذ من جنسية جزائرية، كأن يلقن تعليما أجنبيا لا يتوافق مع غايات النظام التربوي الجزائري ومبادئه –أعني من الناحية البيداغوجية- فقد اشترط القانون ما يلي:
– يُمنح التعليم فيها باللغة العربية في جميع المستويات وفي جميع المواد (المادة 59).
– الالتزام بتطبيق برامج التعليم الرسمية، كل نشاط تربوي أو بيداغوجي إضافي يقتضي ترخيصا مسبقا من الوزارة الوصية (المادة 60).
– يخضع التلاميذ المتمدرسون فيها للامتحانات التي ينظمها القطاع العامّ، بالصيغة نفسها و بالشروط ذاتها المطبقة على التلاميذ المتمدرسين في مؤسسات التربية والتعليم العمومية (المادة 63).
– حفاظا على حقوق التلاميذ في حال غلق المؤسسة التعليمية الخاصة، يُنقل تلاميذها إلى مؤسسة عمومية، كما يمكنهم الانتقال من مؤسسة عمومية إلى مؤسسة خاصة إذا رغبوا في ذلك (المادة 64).
كما اشترط المرسوم المشار إليه سابقا في بعض مواده:
– الإعلان عن تكاليف الدراسة المتعلقة بكل طور تعليمي (المادة 11).
– الخضوع للمراقبة البيداغوجية والإدارية التي يمارسها موظفو التفتيش العموميون (المادة 33).
– الامتناع عن قبول أي شكل من أشكال التمويل أو الهِبات خارج نطاق مواردها الذاتية، إلا بموافقة الوزارة الوصية (المادة 37).
هكذا يبدو الأمر على مستوى النص، وعموما لا يمكن الطعن في مصداقيتها، لكن الأمر على مستوى التطبيق يثير تحفظات عدة يمكن إجمالها في:
1 – قد تؤول هذه المدرسة لتكون مدرسة لـ”أبناء الخواص” -2- إذ يتعذر على عموم التلاميذ -وهم الأغلبية الساحقة- ولوج هذه المدرسة التي تقدّم تعليما بمقابل، والذي سيكون باهظا بلا شك، والنتيجة أن تتشكل مدرسة تمييزية ذات طابع انتقائي، بما يخالف الدستور وقوانين الدولة، وبدل أن تتميز المدرسة الجزائرية بوحدتها تنقسم إلى مدرستين متباينتين.
2- من يضمن عدم تجاوزها النصوص الناظمة لنشاطها، خاصة إذا وقعت تحت تأثير قوى نافذة ذات توجه تغريبي، والتي يمكن أن تفرض نمطا تعليميا مغايرا للمرجعية الوطنية؟
وقد يكون لهذا التحفظ بعض المصداقية من جانبين:
الأول: إذا نظرنا إلى الاستثناء الذي تضمنته (المادة 60) وهو بمثابة ثقب مفتوح في جدار النص، وجرى التعبير عنه بـ”نشاط تربوي أو بيداغوجي إضافي” والذي لم تحدَّد طبيعته، أما الحصول على الترخيص فلا يبدو أمرا عصيًّا.
الآخر: كشفت عنه ممارسات مدارس خاصة كانت قائمة قبل صدور القانون التوجيهي، إذ سمح بطريقة ما بفتح أمثال هذه المدارس في العاصمة قبل غلقها، وبعضها ظل يمارس نشاطه بعيدا عن عين الرقيب. 3.
3- من منظور النوعية الذي يروَّج له من قبل أنصار هذه المدرسة، واعتبارها مؤهَّلة لتوفير تعليم ذي نوعية جيدة، قياسا بالمدرسة العمومية التي تعاني مشكلات مزمنة تحدّ من ترقية أدائها، أرى أن هذا المعيار غير صحيح، فجودة التعليم لا تتعلق بالإمكانات إنما بظروف ومعطيات أخرى، والتي قد تصبح هي نفسها عائقا يحد من أداء المدرسة الخاصة ذاتها، وهو ما يؤكده مؤشر نسبة النجاح في الامتحانات الرسمية.
على مستوى الممارسة
يمكن استخلاص نقاط ضعف –من دون تعميم طبعا- أهمها:
1. احتمال إسناد تسييرها لغير ذوي الاختصاص رغم اشتراط أن يكون المدير قادما من الوسط التربوي، لكن ماذا عن مالكي هذه المؤسسات ممن لا يحملون أي مؤهل تربوي؟ المسألة بالنسبة إليهم مجرد نشاط تجاري تحكمه قواعد السوق لا غير، لينعكس ذلك سلبا على أداء هذه المؤسسة إداريا وتربويا.
2. قد يفتقر الفريق التربوي– البيداغوجي للكفاءة المطلوبة في هذا الميدان، فالأساتذة الذين يوظّفون مباشرة قد لا يتلقون أي تكوين مسبق، والأساتذة المتقاعدون قد يفتقرون للكفاءة أصلا، وقد يتراجع مردودهم مع مرور الوقت.
3. في بعض المؤسسات لا يراعى في تسجيل التلاميذ أي شروط ذات صلة بالانضباط والمواظبة، فما يعني هذه المؤسسات بالدرجة الأولى هو العامل المادي وما عدا ذلك يأتي في مرتبة لاحقة، وفي المقابل ثمة مؤسسات خاصة لا تستوعب سوى ذوي المعدلات المرتفعة استهدافا لنتائج مماثلة في الامتحانات الرسمية، بحثا عن السمعة والاستقطاب.
4. عملية التقويم قد تشوبها نقائص جمة قد تخلّ بمصداقيتها، وإن لم يخضع الأستاذ لأي توجيه مسبق في هذا السياق، فربما سعى هو نفسه لإثبات وجوده بنفخ نتائج التقويم خشية الإقصاء على سبيل المثال.
5. غياب المخابر وما يلحق بها من تجهيزات فيخل ذلكب تطبيق المنهاج، الذي يتفاوت الالتزام به على غرار إلغاء مادة التربية البدنية مثلا، والافتقار للفضاءات غير الصفّية.
6. عدم احترام الضوابط الواردة في دفتر الشروط على غرار المرافق الصحية والتهوية والطعام الذي قد يُقدَّم في حجرات الدراسة!
7. حدوث تدخلات خارجية قد تحدّ من حرية اتخاذ القرارات في هذه المؤسسات.
8. الاجحاف في حق الموظفين وخاصة الأساتذة الذين يُحرمون من أي تعويض أثناء العطلة.
هوامش،1، 2، 3 حوار أجرته يومية “الخبر” مع وزير التربية الأسبق علي بن محمد في 26 أوت 1997.