المسلمون في سيبيريا.. آمال وآلام
مع بداية هذا العام 2017م، حلّت الذكرى 623 لدخول الإسلام إلى سيبيريا، شمال شرق روسيا، وتثبيت دعائمه في تلك المنطقة الجليديّة، وبرغم المحاولات الكثيرة التي بذلت في مراحل مختلفة من تاريخ روسيا لطمس معالم الهوية الإسلامية في هذه المنطقة، فإنّ ذلك لم يقض على نور الإسلام هناك.
تتكوّن الجالية الإسلامية في سيبيريا من المغول والتّتار والأوزبك. وللمسلمين وجود متباين في كل مناطق سيبريا، حيث يكثر في الغرب والجنوب الغربي أين تصل نسبتهم في بعض المناطق إلى 40 %، ويقلّ كلّما اتّجهنا إلى الشرق.
يعاني المسلمون في سيبيريا تضييقا روسيا لصالح النّصارى، حيث يصل الأمر إلى حدّ هدم بعض المساجد في مقابل التّسهيل لبناء الكنائس، فمدينة “توبولسك” مثلا كانت تعج بعشرات المساجد قبل أن تتعرض للهدم لصالح الكنائس التي صار عددها الآن 40 كنيسة.
يبدي المسلمون في سيبيريا حرصا شديدا على التمسّك بتعاليم الإسلام، وعلى تربية أبنائهم التربية الإسلامية الصّحيحة، ولا يقلّ عن ذلك اهتمامهم بتعلّم ونشر اللّغة العربية، والانضمام إلى الحلقات القرآنية في المساجد، وإعداد نسخ مترجمة من القرآن إلى اللغات الأردية والتترية والروسية لتسهيل القراءة والفهم.. كما يُظهر مسلمو سيبيريا اهتمامهم بقضايا الأمّة الإسلامية. وفي هذا الصّدد يؤكّد الشيخ “طاهر عبد الرحمنوف” مفتي المسلمين في سيبيريا أنّ المسلمين في بلده ليسوا في منأى عن قضايا المسلمين العالمية، وأنّهم يؤيّدون حقوق كافّة الشّعوب المسلمة؛ فيؤيدون حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته على تراب الوطن الفلسطيني، ويؤيدون حق تقرير المصير في كشمير، ويقفون ضدّ تهجير المسلمين عن أوطانهم مهما كانت المبررات التي ترددها الكيانات التي تضطهد المسلمين.
يقول العارفون بالدّعوة في منطقة سيبيريا إنّ الدين الإسلامي ينتشر بسرعة هناك، بسبب سهوله تعاليمه وطباع الناس الطيبة، ويؤكّد مفتي سيبيريا أنّ عدد المسلمين في بلاده في تزايد مستمر بسبب سهولة تعاليم الدين الإسلامي الحنيف، حتى بلغ عدد المسلمين السيبيريين أكثر من 4 ملايين نسمة من إجمالي عدد السكان البالغ أكثر من 39 مليون نسمة، ويضيف قائلا: “إنّ الأقلية المسلمة في بلاده قد حافظت على هويتها العقائدية، رغم كافّة الضغوط التي مارسها الروس عبر المراحل التاريخية المختلفة؛ فكلمة المسلمين واحدة، ولا توجد بينهم خلافات مذهبية أو سياسية… والمسلمون هناك يتعاملون مع كافّة القوانين السوفييتية بذكاء فطري، فحين وضعت العراقيل أمام تحركات الدعاة، وحظرت تلاوة القرآن الكريم؛ صاغ المسلمون قيم الإسلام وتعاليمه، وأوامره ونواهيه في هيئة أناشيد شعبية، تردّد في كل وقت، دون أن يقع مسلم واحد في سيبيريا تحت طائلة القانون الجائر الذي بمقتضاه منع المسلمون تأديةَ شعائر دينهم في حرية وعلنية”.
ويبقى مسلمو سيبريا في حاجة إلى اهتمام أكبر من قبل إخوانهم في الدول الإسلامية وفي الهيئات الدعوية الإسلاميّة، لأنّهم يقفون وجها لوجه أمام حملات التّنصير التي ترصد لها الإمكانات والميزانيات الضّخمة في هذه المنطقة قليلة التنمية لتلعب الكنائس الجديدة مراكز مهمة لتقديم الخدمات الطبية والتعليمية والإعانات المالية بل والخدمات الترفيهية التي يحتاج إليها السكان، وقد تمّ خلال السنوات القليلة الماضية افتتاح عشرات الكنائس الإنجيلية الجديدة لتؤدّي دورها الخطير في تنصير السّكان وتجنيدهم لعداوة المسلمين، بينما لا يعمل في الوقت الحالي في مناطق سيبريا من المنظّمات الإسلاميّة سوى الندوة العالمية للشباب الإسلامي، والهيئة العالمية لتحفيظ القرآن، وما تقوم به هاتان الهيئتان عمل يسير جدا لا يلبّي الحاجة الماسّة إلى تكثيف العمل الدعوي في أوساط الشّباب خاصّة.