-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

المغرب: حين ينهار الخطاب أمام الواقع

بقلم: بوطالب عرجاني
  • 126
  • 0
المغرب: حين ينهار الخطاب أمام الواقع
ح.م

هناك حكمة تقول: «لا يستطيع أي جهاز إعلامي، مهما بلغت قوته وبراعته، أن يسوّق صورةً جميلة لنظام سياسي ما، إذا كان شعبُ ذلك النظام يعيش واقعا اقتصاديا واجتماعيا متردّيا ومُرّا». لقد بدأت حديثنا بهذه المقولة بوصفها رأيا وتحليلا، ولكن سرعان ما تحولت إلى حقيقةٍ ساطعةٍ بلّغتها الأحداثُ نفسُها بأقوى لغةٍ ممكنة: لغة الأفعال والدموع والأرواح التي فُقدت في هروب لم يكن مجرد حركةٍ عابرة، بل كان شهادةً صارخةً تفصل بين ما يُقال على المنابر وما يُعاش في الشوارع والميادين.
في الأيام الأخيرة من شهر جويلية 2026، وتحديدا في اليوم التالي مباشرةً لخطاب عيد العرش الذي وصف فيه العاهل المغربي محمد السادس بلاده بأنها «واحة استقرار» وتحدّث فيه بكثرةٍ عن «المنجزات الاقتصادية والنمو والرخاء»، خرج عشراتُ الآلاف من المواطنين المغاربة من مختلف الأعمار، رجالا ونساءً وأطفالا، ليخوضوا مياه البحر سباحةً ويتسلقون الجدران نحو سبتة الاسبانية، هربا من ذلك «الرخاء» المُزعوم.
وفي التوقيت ذاته تقريبا، وفي الجزائر، وقع حادثٌ أليم تمثّل في انقلاب حافلةٍ في وادٍ سحيق في منطقة بومرداس، فكان ردّ الفعل هناك مختلفا تماما: تعازي فورية من أعلى السلطات، وحداد وطني لثلاثة أيام، وتضامنا رسميا وشعبيا غير مسبوق.
وهكذا اجتمعت الحادثتان في أسبوعٍ واحدٍ لترسّخا الفرق الجوهري بين منطقَين مختلفين في التعامل مع المواطن: منطقٍ يرى فيه «أبناء للوطن» يستحقّ التعاطف أولا، ومنطقٍ يرى فيه «رعيةً» لا تستحقّ التعزية إن هي خرجت عن الطاعة.

حين خاض الناس البحر وتسلقوا الجدران
لقد شكّلت أحداث 30 و31 جويلية 2026 في المملكة المغربية منعطفا في العلاقة بين الدولة والمجتمع؛ ففي غضون ساعاتٍ قليلة، انطلقت موجةٌ كبرى من العبور الجماعي نحو سبتة، قُدّرت تقديراتُ السلطات المغربية نفسُها بعددٍ يفوق السبعين ألف شخص، بينما أشارت المصادر الإسبانية إلى أن قرابة اثنين وسبعين ألفا تمكّنوا من الوصول فعليا في أقلّ من ثمانية وأربعين ساعة. ورغم أن الأرقام الدقيقة لعدد الضحايا والمفقودين لا تزال موضع خلافٍ بين المصادر -وتراوحت بين أحد عشر قتيلا بحسب بيانات الداخلية المغربية ومائة وثلاثين بحسب مصادر حقوقية مستقلة- فإن الأكيد أن أرواحا بريئةً أزهقت، وعائلاتٍ بكت فلذات أكبادها، ومشهدا مؤلما تكرّر تمثّل في خوض الناس للمياه العميقة وهم يدركون أن الموت قد ينتظرهم، ولكنهم فضّلوا المخاطرة بالموت على الاستمرار في واقعٍ لا يُبشّر بأملٍ.

هنا يتجسّم الانفصام الكامل بين الخطاب الرسمي والواقع المعيشي، ففي حين كان الملك يتحدّث في خطابه عن «التنمية الشاملة والمؤشرات الإيجابية والمغرب المتقدّم»، كان عشراتُ الآلاف من أبناء هذا الوطن يُجيبونه بأفعالهم وليس بأقوالهم: «نحن لا نرى هذا الرخاء الذي تتحدّث عنه.. نحن نعيش اليأسَ والفقرَ والحرمان، وكلّ ما نريده هو فرصةٌ للحياة حتى لو كلفنا ذلك عبورَ الموتِ سباحةً».

سارعت السلطات المغربية إلى تفسير الحدث بأنه نتيجة «إشاعات مُضلّلة» انتشرت في منصات التواصل الاجتماعي، وتقول إن قرارا قضائيا إسبانيا يسمح بدخول كل من يصل إلى سبتة سباحةً دون أن يُعاد. وصحيحٌ أن هذه الإشاعة كانت الشرارة التي أشعلت الموقف في ذلك التوقيت تحديدا، ولكن من الخطأ الفادح أن نعزو الظاهرة برمّتها إلى مجرد كذبةٍ انتشرت في دقائق، فالإشاعاتُ لا تحرّك الشعوبَ بهذا الحجم الهائل إلا إذا وجدتْ أرضيةً خصبةً جاهزةً تستجيب لها وتصدّقها وتُخاطر من أجلها. وتلك الأرضية الخصبة هي بالذات ما تحدّثنا عنه في مقولتنا الأساسية: سوءُ الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وارتفاعُ معدّلات البطالة بين الشباب إلى ما يقارب الأربعين بالمائة، وتدني الأجور وعدم كفايتها لمتطلبات الحياة، وغيابُ الأمل في تغييرٍ قادمٍ أو مستقبلٍ أفضل.
هنا يتجسّم الانفصام الكامل بين الخطاب الرسمي والواقع المعيشي، ففي حين كان الملك يتحدّث في خطابه عن «التنمية الشاملة والمؤشرات الإيجابية والمغرب المتقدّم»، كان عشراتُ الآلاف من أبناء هذا الوطن يُجيبونه بأفعالهم وليس بأقوالهم: «نحن لا نرى هذا الرخاء الذي تتحدّث عنه.. نحن نعيش اليأسَ والفقرَ والحرمان، وكلّ ما نريده هو فرصةٌ للحياة حتى لو كلفنا ذلك عبورَ الموتِ سباحةً».
وهنا تبرز قوّة المقولة التي بدأنا بها الحوار: لقد فشل كلُّ ذلك الإعلامُ الرسمي المكلف، وكلُّ تلك الخطاباتِ المُنمّقة، في أن تُقنعَ الناسَ بوجود واقعٍ جميلٍ لا يعيشونه، فالإعلام يستطيع أن يُجمّل الصور ويُزيّن الكلام، ولكنه لا يستطيع أن يُغطّي شمسَ الواقعِ بغربالٍ. حين يكون الجوعُ حقيقيا والفقرُ ملموسا والمستقبلُ مجهولا، تتحوّل كلُّ كلماتِ الإعلامِ إلى دعايةٍ فارغةٍ لا يصدّقها أحد، بل وتُصبح مصدرَ سخريةٍ وغضبٍ بدلا من القبولِ والاطمئنان.
لماذا لم يُقدّم المخزن التعازي لضحاياه؟
ولم يقتصر الأمرُ على عدم تصديق الخطاب، بل تَعمّقَ الهوةَ أكثرَ موقفُ السلطةِ الرسميّة من الضحايا أنفسهم، ففي مشهدٍ أثارَ استياءً واسعا في الأوساطِ الشعبيةِ والحقوقيةِ المغربيةِ، امتنعَ العاهلُ ورئيسُ الحكومةِ وكلُّ الوزاراتِ عن إصدارِ أيِّ بيانِ تعزيةٍ أو إعلانِ حدادٍ وطنيٍّ على الذين لقوا حتفهم. وبدلا من أن يُقالَ لذويهم: «عزاؤنا لكم.. فقدتم أبناءكم ونحنُ نشارككم ألمكم»، تبنّى الخطابُ الرسميُّ لغةَ اللومِ والمساءلةِ، ووصفَ الحدثَ بأنه «مخالفةٌ للقانون» و«وقوعٌ فريسةَ الإشاعاتِ والتحريضِ الخارجي»، وكأنَّ هؤلاءَ الذين ماتوا في مياهِ البحرِ أو سقطوا من فوق الجدار قد استحقّوا الموتَ لأنهم خالفوا الأوامرَ وصدّقوا الإشاعاتِ.
إنَّ امتناعَ النظامِ عن تقديمِ التعزيةِ ليسَ موقفا عاديا ولا خطا عابرا، بل هو قرارٌ محسوبٌ له أسبابُه العميقةُ التي تكشفُ جوهرَ الأزمة. فأولا: إنَّ تقديمَ التعزيةِ يعني ضمنا الاعترافَ بأنَّ هؤلاءَ ماتوا ضحايا لواقعٍ مريرٍ دفعَهم للهرب، وليسوا ضحايا إشاعةٍ فقط. ولو اعترفَ النظامُ بذلك، لكانَ ذلك بمثابةِ شهادةِ إدانةٍ رسميةٍ لسياساتِه التي تسبّبتْ في هذا اليأسِ العامّ. وثانيا: لقد كانَ التوقيتُ مستحيلا ومُحرجا إلى درجةٍ لا تُصدَّق، فكيفَ يُعزّي الملكُ في اليومِ التاليِ مباشرةً مَن هربوا من «الرخاءِ والمنجزاتِ» التي تحدّثَ عنها في خطابِه بالأمسِ؟ إنَّ في ذلكَ تناقضا صارخا لا يمكنُ تبريرُه ولا تفسيرُه أمامَ الرأيِ العامّ، فكانَ الصمتُ أهونَ الشرّينِ من وجهةِ نظرِ المخزن، ولو كانَ أكثرَ إيلاما واستفزازا للمواطنين.
وهكذا، بدلا من أن يقول المخزن: «نحنُ نتحمّل مسؤوليتَكم.. نعزّيكم ونتضامنُ معكم، ثم نُحقّقُ في الأسبابِ ونُحاسبُ المُقصّرين»، اختارتْ أن يقولَ بصمتِه ولغتِه الرسميةِ الباردة: «أنتم من أخطأتم.. فلا تعزيةَ لمن خالفَ القانونَ». وهنا تكمُنُ المفارقةُ المؤلمةُ: لقد ماتوا هربا من واقعِهم، ولم يموتوا في حربٍ أو معركةٍ، ومع ذلك لا يجدونَ مَن يُعزّيهم في وطنِهم الذي حاولوا الفرارَ منه.
لقد اختارَ النظامُ في المغربِ الصمتَ وتحميلَ الضحايا مسؤوليةَ موتِهم، بدلا من أنْ يعترفَ بخطئِه ويُواجِهَ واقعَ شعبِه بصدقٍ وشجاعةٍ. واختارَ نظيرُه في الجزائرِ أنْ يُعزّيَ ويُعلنَ الحدادَ ويتعاطفَ مع ضحايا انقلاب الحافلة في بومرداس قبلَ أنْ يبحثَ عن المسؤولِ. وهكذا ظهرَ الفرقُ جليّا بينَ مَن يرى في المواطنِ شريكا ومالكا للوطنِ، وبينَ مَن يرى فيه تابعا ورعيةً لا يستحقُّ الاحترامَ إلا بقدرِ طاعتِه. وسيبقى المشهدُ شاهدا على أنَّ الكذبَ في السياسةِ وادّعاءِ الرخاءِ حيثُ الفقرُ سيدُ المكانِ لا يَدومُ طويلا، وأنَّ الشعبَ حينَ يفقدُ الأملَ في وطنِه سيخوضُ البحارَ ليبحثَ عنه في مكانٍ آخرَ، مهما كلّفَه ذلكَ من ثمنٍ غالٍ ودمٍ زكيٍّ.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!