-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

“المكتوبجي”..!!

مروان ناصح
  • 2289
  • 0
“المكتوبجي”..!!

ما من كلمة في اللغة العربية أشدّ استفزازاً للأعصاب، وإثارة للنفور والكراهية عند المفكرين والفنانين والأدباء والإعلاميين العرب من كلمة “الرقابة”، ولعلّها انتقلت بكل تأثيراتها السلبية إلى قطاع واسع من الناس العاديين، لتنعكس فيما يتردد على ألسنتهم من تعليقات تعبر عن الاستياء والسُّخط والازدراء، كلّما علموا بمنع فيلم سينمائي، أو مصادرة كتاب أو صحيفة، أو إغلاق منتدى للحوار، أو إيقاف عرض برنامج تلفزيوني، أو مسلسل درامي، مما يدل على أن كلمة “الرقابة” هذه قد اكتسبت معاني جديدة في قاموس حياتنا العربية: الكبت، القهر، تكميم الأفواه، تعصيب العيون، الاستبداد بالرأي الأحادي، الوصاية المفروضة بالقوة، واغتيال الحرية؛ حرية التفكير، والتعبير، والتواصل والتفاعل عبر وسائل الاتصال الجماهيرية المتاحة..!! والمتأمل في “تاريخ” هذه الكلمة؛ سيجده بكل أسف _ تاريخاً أسود..! قرأته أجيال عديدة رغم ظلامه، وعانت من ويلاته أجيال كثيرة متعاقبة؛ ولم تخلُ مرحلة في هذا التاريخ المعتم من أصوات صرخت في البريّة، احتجاجاً على الوطأة “الرقابية” الثقيلة، مهما اختلفت مسمياتها وأشكالها..

 

وكثيراً ما كان هذا الاحتجاج يأتي في صور ساخرة مريرة، مثل تلك الصور الطريفة-المؤلمة التي رأيناها في كتاب الصحفي سليم سركيس الذي أسماه “غرائب المكتوبجي”، و”المكتوبجي” هذا هو الاسم الذي أطلق على “رقيب” الصحف في العهد العثماني المتأخر، أي: مع بدايات ظهور الصحافة العربية في أواخر القرن التاسع عشر، ومطالع القرن العشرين، فقد بلغت الوقاحة “الرقابية” بهذا “المكتوبجي” العتيد المتسلط على صحافة تلك الأيام حداً شديد الغرابة: أن يمنع نشر خبر عن “وفاة رئيس جمهورية فرنسا” لأن كلمة “جمهورية” من الكلمات الخطيرة التي يجب حظر تداولها في أرجاء السلطنة!!

   ومع الزمن جعل “المكتوبجي” هذا يتكاثر بالانشطار، مع تعدد وتعاقب أشكال “الدولة” القمعية، بنموذجها الشرقي “الأصيل”.. كما جعلت أصوات المحتجين في ساحات الإعلام والفكر والأدب تتعالى، ليتشكل مشهد عجيب من التجاذبات بين الطرفين، حيث يصرخ أهل الفكر والرأي والإبداع مطالبين بحرية البحث عن الحقيقة.. وتجيبهم الدولة على لسان “المكتوبجية” بأن هذا حرام!! وهذه بدعة!. وذلك خطر على المجتمع والأمن العام! وهذا ليس وقته!. وتلك أفكار غريبة عن “طبيعتنا”!!.. ويستمر حوار “الطرشان” هذا بينهما، دون جدوى، ولانهاية منظورة..!! وكل ذلك يهون أمام ردود الأفعال الانتقامية التي يتعرض لها أصحاب الرأي من وقت لآخر، بهدف الردع والإرهاب الممنهج!!

ومن طرائف المفارقات “الفاقعة” التي تجسد ما وصلت إليه العقلية الرقابية في البلاد العربية من ضيق الأفق، أن يصرح أحد وزراء الثقافة العرب -ذات يوم- في مقابلة صحفية قائلاً : (عندما عُينتُ وزيراً، وجدت الحرام يحيط بي، ويطاردني من كل جانب!!. فالرقص حرام، والتمثيل حرام، والغناء حرام، والموسيقى حرام، والسينما حرام..!! أي أنّ كل ما أنا مسؤول عنه حرام..!! حتى إنني أطلقت على نفسي في ذلك الوقت اسم وزير الحرام!!).!!وأذكر أن أحد الأصدقاء الساخرين علق يومها على هذا التصريح بقوله : لابدّ أن يكون هذا الوزير “ابن حرام” حتى يستطيع أن يدَّبر رأسه في هذه المعمعة المحتدمة..!!

كل هذا الكلام الذي سبق كان يصطخب داخل جمجمتي، حين كُلّفتُ بمسؤولية تسيير (دائرة النصوص الدرامية) في التلفزيون السوري، ووجدت نفسي أمام عقبة كبيرة جعلتني أتهيب وأتردد في الاستجابة لهذا التكليف، وتمثلت تلك العقبة في الاسم الرسمي الذي كان يطلق على تلك الدائرة: “دائرة الرقابة والتقويم الفكري”!! اسم “مضروب” سلفاً، ومهمة تنهشها الشكوك بأنيابٍ حادة، ويخيّم عليها شبح “المكتوبجي” بظلاله المقيتة، وسمعته الرديئة بكل وضوح!! وحدثتني نفسي: لماذا تستسلم للأحكام القاطعة المسبّقة؟! وما الضير في أن تخوض في هذه التجربة العملية؟ فلعلّك تخرج منها بانطباع آخر مغاير.. ثم إنّ باستطاعتك أن تغلّب عنايتك بالجانب الفني، والمستوى الإبداعي للنصوص الدرامية، على ما اعتاد مراقبو النصوص الوقوف عنده، من التفاصيل المعدودة بين الممنوعات والمستكرهات، من المواقف، والأفكار، والحوارات، وألوان السلوك الأخلاقي؛ تلك الممنوعات والمستكرهات المحنّطة في اللاشعور العربي منذ طوفان نوح!!

وأخيراً.. أليست هذه المهمة وظيفة من الوظائف العامة التي يتهافت عليها الناس، ولا أمل للفقراء بعيش مأمون بعيداً عنها؟؟! وها أنتذا في أمس الحاجة إلى الاستمرار في العمل.. ولعلك أدرى الناس بأنّ الحاجة قد غدت -في زماننا- أُمّاً لكل شيء.. لا أماً للاختراع وحده كما يقولون!! وأقنعتني نفسي..!! لكنّ الكثير من أصدقائي لم يقتنعوا!! بمن فيهم الأدباء والفنانون وكتّاب الدراما التلفزيونية المحسوبون بين وجهاء “المرحلة”!! إذ كيف للكاتب أن يحتل مقعد الرقيب أو “المكتوبجي” ويظلَّ بعيداً عن الشبهات؟!! والحقّ أن التجربة العملية لم تلبث أن أثبتت لي أنّ هذا السؤال كان الأصعب بين أسئلة حياتي!! إنه السؤال الذي كان يلقي به “أبو الهول” على العابرين عند أسوار “طيبة”!! وإذا كنت متأكداً من أنني لست “أوديب” البطل الذي سيحل اللغز، ويقتل الوحش.. فكيف السبيل إلى النأي بالنفس عن تلك الخيبة التي انتهى إليها بقية العابرين البائسين؟؟.                  

 

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!