انتخابات الربيع العربي
بدأت دول الربيع العربي تقطف الثمار، وتتعلم وترسي دعائم الديمقراطية الحقة، المعبرة عن طموحات الشعب غير المزورة، أو المبتورة، أو العرجاء. فبعد تونس، والمغرب، ثم مصر وليبيا، الكل يحاول إرساء دعائم الثقافة الديمقراطية ليس على شاكلة ما يسوق في جزائرنا، ففي ليبيا حكمت محكمة بتجريم قانون منع تمجيد القذافي، وفي مصر حكمت المحكمة الدستورية بعدم دستورية قانون الانتخابات الذي يتنافى مع فلسفة الترشيح الحر ومبدأ المساواة في تقلد الوظائف العامة.
هذه الدروس وغيرها شاقة للجميع، وعمل جاد ومستمر لبناء دولة المؤسسات، لذا، يجب أن تكون قراءتنا لها قراءة قانونية، بعيدة عن الكيدية، أو التغليفات السياسية، فانتخابات الربيع العربي، بدون منازع هي إحدى ثمار نضالات هذه الشعوب، والذي بدأ الكل يشم رحيق الحرية وفضائلها، من كان يتصور أن مرشح الإخوان المسلمين سيكون رئيسا للجمهورية!؟ ومن كان يتصور أن راشد الغنوشي، أو النهضة ستحدد خريطة تونس المستقبلية!؟ ومن كان يراهن على بن كيران وحزب العدالة أن يترأس الحكومة والقافلة مستمرة…
هذه الانجازات لم تكن من فراغ، بقدر ما كانت من خلال “التوطين” و”القصد” في الهدف أي توطين البرامج بدون لبس أو مراوغة، والقصد في الهدف، أي يستحيل أن نعارض ونؤيد في نفس الوقت، رجل هنا وهناك، أو تكون الدولة وضد الحكومة، أو أبيض وأسود، فسياسات المناضل الموظف، وسياسات المشاركة، أو التنصل، كلها أثبتت فشلها، وأنها شوهت واستنسخت نماذج لا تليق بأصحاب المشاريع والحياة السياسية. كما أن انتخابات الربيع العربي وفي الدول المشار إليها سابقا أثبتت وثبت القضاء المميزة، وفعلا أصبح مستقلا وبعيدا عن الحلبة السياسية وتغليفاتها أو تعليباتها المجهزة… فإلى جانب الحكومات التنفيذية، أصبح هناك، في المقابل، حكومة القضاة تحاول إرساء دعائم العدل والإنصاف بين أفراد الشعب حكاما ومحكومين بعيدا عن كل تابعية لأي جهة، فأصبح القضاء “سلطة” وليس “جهازا” كما هو معمول به في العديد من الدول.
فالمحيط الجيوستراتيجي بدأ يتغير، وأصبحت الحكومات المنتخبة، رغم ضعفها الاقتصادي، وحداثة عهدها بالحكم، أكثر احتراما من طرف المجتمع الدولي والغرب، وهذا الاحترام الغربي لها ليس نابع من “قوتها” أو “خوفهم” لامتلاك هؤلاء ترسانة للردع، بقدر ما هو نابع من نزاهة الانتخابات وإفرازاتها، أو التمثيل الحقيقي. فالحكومة التي تحترم شعبها، لا يمكن إلا أن تلقي بالاحترام المتبادل من الغرب.. رغم مشاكلها الاقتصادية.. وأحيانا الانفلات الأمني السائد، وذلك نتاج آخر للربيع العربي، وما أفرزته من معادلات جديدة على مختلف الأصعدة المحلية منها والإقليمية أو الدولية.
فعصر الإملاءات، والاحتيالات، والتزوير، أو التدوير قد لا يصمد على المدى البعيد أمام انتخابات الربيع العربي وما أفرزته من قوى سياسية، فانتخابات الربيع العربي أصبحت مرجعية للعديد من الأنظمة المقارنة، وبالتالي أصبح للعرب مرجعية يمكن الاعتماد عليها كنموذج ناجح للتعايش والتوافق بين مختلف التيارات السياسية داخل البلاد، والله الموفق.