باتنة بين ترقية الصادرات والمراهنة على قطب صناعي بارز
عرفت ولاية باتنة في السنوات الأخيرة حركية نوعية في الاستثمار الصناعي، موازاة مع المكانة المهمة التي تتميز بها في الشق الفلاحي، وريادتها في إنتاج عدة محاصيل تجمع بين الكمية والجودة، مثل التفاح والمشمش والزيتون واللحوم البيضاء وغيرها، ما يجعل الاستثمار في القطاع الصناعي بمثابة تحد آخر للمساهمة في تغطية السوق المحلية والرفع من الصادرات نحو الخارج التي بلغت مؤخرا قيمة 220 مليون دولار، وفي مقدمة ذلك تصدير السيراميك والإسمنت والمواد الميكانيكية ومنتجات أخرى نحو الخارج، وهو ما يؤهلها لأن تشكل مستقبلا قطبا صناعيا بارزا وواعدا.
خطت ولاية باتنة خطوات هامة في مجال ترقية الصادرات والمراهنة على قطب صناعي بارز، وهذا بناء على الجهود التي تقوم بها الجهات الوصية والسلطات العليا بغية تحفيز رجال الأعمال على الاستثمار في هذا المجال، وفتح مصانع ومركبات صناعية تساهم في مواكبة التنمية على مستوى عاصمة الأوراس على غرار ما هو حاصل في عديد ولايات الوطن، ما سمح بمنح إضافة مهمة في القطاع الصناعي، بشكل يصب أساسا في ضمان الاكتفاء الذاتي وخلق الثروة ومناصب العمل وتدعيم السوق الوطنية بمختلف المنتجات النوعية، وكذلك الحرص على الرفع من الصادرات خارج نطاق المحروقات، بدليل بروز ولاية باتنة في إنتاج السيراميك والإسمنت والصناعة الميكانيكية والمراهنة على صنع التميز في منتجات أخرى مثل الصناعة الغذائية والصيدلانية والصناعات اليدوية التقليدية وغيرها من المنتجات التي تؤهل باتنة لأن تكون قطبا صناعيا واعدا تكون له كلمته ومكانته في المستقبل، خاصة في ظل القيام بتصدير عدة منتجات نحو الخارج، وفي عدة قارات منها افريقيا (ليبيا وموريتانيا وتونس ومصر) وأوروبا (البرتغال وبلجيكا وفرنسا) وآسيا (الأردن).
وهي خطوة مهمة ومشجعة في نظر المتتبعين للقيام بخطوات مماثلة تحفز رجال الأعمال على مزيد من الاستثمار في القطاع الفلاحي، موازاة مع التطور الهام الذي عرفه قطاع الفلاحة في عاصمة الأوراس، من خلال إنتاج محاصيل تجمع بين الكمية والجودة، وفي مقدمة ذلك فاكهة التفاح والمشمش والزيتون واللحوم البيضاء وغيرها من المنتجات التي جعلت باتنة لها مكانة مهمة في السوق الجزائرية وحتى الأجنبية. وهو الأمر الذي خلف موجة من الارتياح وسط السلطات المحلية، التي اعتبرتها ثورة استثمارية سمحت لباتنة بصنع التميز في عدة منتجات، خاصة في قطاع السيراميك الذي حقق حسب قول والي الولاية قفزة نوعية بـ11 وحدة صناعية للسيراميك في مختلف الأنواع والأحجام، مثلما تم تفعيل 6 وحدات كانت معطلة منذ عام 2017، ما سمح بضمان 4200 منصب عمل مباشر، ناهيك عن رفع الحجر عن 135 مشروع استثماري يساهم في ضمان 11 ألف منصب عمل مباشر و5052 منصب شغل غير مباشر.
عقار صناعي هام يشجع على رفع الإنتاج والتصدير
وتشير العديد من الأرقام والمعطيات بأن ولاية باتنة باتت تحوز في السنوات الأخيرة على عقار صناعي هام، من خلال الإمكانات والتسهيلات المسخرة من طرف السلطات ومختلف الجهات المعنية، ما سمح بتشكيل 3 مناطق صناعية وحظيرة صناعية تبلغ أكثر من 609 هكتار تمثل ثلثي إجمالي العقار الصناعي في ولاية باتنة، مع الحرص على استرجاع العقار الصناعي غير المستغل حتى يكون تحت تصرف المستثمرين القادرين على منح الإضافة في سبيل ترقية الإنتاج الصناعي في الولاية، وبالمرة ضمان عدد أكبر من مناصب العمل الدائمة التي من شأنها أن تمتص من نسبة البطالة، ناهيك عن الحرص في تطوير وتنويع الأنشطة الصناعية، مثل الصناعة التحويلية والغذائية والبلاستيك ومواد البناء، وهذا حتى يكون الاستثمار الصناعي في مستوى متطلبات وحاجيات الولاية، موازاة مع الجهود القائمة في الاستثمار الفلاحي والسياحي وغيرها من القطاعات الهامة والإستراتيجية التي من شأنها أن تعزز السوق بالمنتجات الكافية وتساهم في الوقت نفسه في خلق مناصب عمل دائمة.
كل هذا ناهيك عن ترقية صادرات صناعات باتنة التي ارتفعت إلى 220 مليون دولار، وسط رهان على فتح مصانع جديدة، منها مصنع ضخم لصناعة السيراميك، مثلما ذهب إليه والي ولاية باتنة الدكتور محمد بن مالك في تصريحاته الأخيرة لوسائل الإعلام، ما يجعل الرهان منصبا على تحسين وضعية مختلف المناطق الصناعية الموزعة بين عاصمة الولاية والدوائر التابعة لها مثل عين ياقوت وكشيدة وبريكة وعين التوتة ومروانة وآريس وغيرها بغية العمل على خلق الثروة وضمان مناصب عمل إضافية ناهيك عن المساهمة في ترقية الصادرات خارج نطاق المحروقات.
ريادة في السيراميك ورهان على الصناعة والفلاحة
يجمع الكثير من المتتبعين بأن ولاية باتنة قد عرفت ديناميكية مهمة من الناحية الصناعية، وهذا موازاة مع بروز عديد المجمعات الصناعية التي حظيت بإشادة الجهات الوصية والسلطات العليا، ويعد قطاع الصناعة من القطاعات المهمة التي تراهن عليها الجزائر من أجل تنويع اقتصادها وتقليص الاعتماد على مداخيل البترول والغاز، وهو الأمر الذي يجعل باتنة واحدة من الولايات التي تسعى إلى رفع هذا التحدّي، من خلال ترقية الصناعة موازاة مع مواصلة الاهتمام بقطاع الفلاحة الذي صنعت فيه التميّز على مدار السنوات الماضية.
وحسب الأستاذ عيسى بلخباط، المهتم بالحركية الاقتصادية في باتنة، فإنه وإن كان الانطباع السائد لدى عموم الجزائريين بأن باتنة هي ولاية فلاحية في المقام الأول نظرا لشهرتها في إنتاج التفاح والمشمش وغيرها من الفواكه، إلا أن ما يجهله الكثيرون منهم، حسب محدثنا، هو أن باتنة من الولايات التي استقطبت الكثير من الاستثمارات في مجال الصناعة في السنوات القليلة الماضية، تضاف إلى الوحدات الصناعية الناشطة في إقليم الولاية منذ العقود الماضية. ومن بين أبرز الوحدات الصناعية الناجحة في الولاية، نذكر منها المركب الصناعي عين ياقوت لتصنيع “توربينات” الغاز والمولدات الكهربائية بالشراكة مع شركة “جنيرال إلكتريك” الأمريكية، ومصنع “كيا موتورز” لصناعة السيارات، في انتظار تجسيد مشروع إنتاج “بلورات” الأنسولين من طرف شركة “صيدال” لصناعة الأدوية، وهي الوحدة الأولى والوحيدة من نوعها في إفريقيا، بالإضافة إلى عشرات المركبات والوحدات الصناعية في مختلف الصناعات.
هذه العوامل ستجعل، حسب الأستاذ عيسى بلخباط، من ولاية باتنة قطبا صناعيا وطنيا في المستقبل القريب، بدليل أنها أصبحت تشتهر في السنوات الأخيرة بإنتاج مادة السيراميك عالي الجودة، ما أكسبها شهرة وطنية ودولية، وهو الأمر الذي ساهم في رفع قيمة صادرات الولاية من هذه المادة والمقدّرة بـ220 مليون دولار، حسب أرقام رسمية. كما تمتلك باتنة في إنتاج هذه المادة عشرات الوحدات موزعة عبر إقليم الولاية، وهي مرشّحة للارتفاع في انتظار إنجاز أكبر وحدة إنتاجية لهذه المادة على مستوى تراب الولاية من قبل أحد المستثمرين، ما يجعل باتنة رائدة في إنتاج مادة السيراميك.
خطوات مشجعة في التصدير إلى بلدان عربية وإفريقية
من جانب آخر، قامت ولاية باتنة بخطوات هامة في مجال تصدير المنتوج الصناعي نحو الخارج، بفضل الجهود التي قامت بها عديد الوحدات الإنتاجية الخاصة، ما سمح بضمان مداخيل بالعملة الصعبة، وفي مقدمة ذلك تصدير مادة السيراميك نحو الأردن وليبيا وموريتانيا، ما سمح برفع الصادرات إلى حوالي 220 مليون دولار، علما أن هذه الخطوة الهامة سبقتها خطوات أخرى في السنوات القليلة الماضية، منها قيام مجمع خاص بتصدير 10 حاويات شهريا من السيراميك نحو الأردن، حيث قدّرت مساحة الدفعة الأولى بـ13650 متر مربع بقيمة مالية مصرح بها وصلت إلى 28 ألف أورو، هي خطوة وصفها الكثيرون حينها بالمشجعة، خاصة وأنها تسمح بمنافسة السوق الأوروبية في الأردن، وتشجع على توسيع العملية نحو البلدان المجاورة، وفي مقدمة ذلك ليبيا وموريتانيا وتونس، مثلما تم تصدير منتجات أخرى إلى أوروبا مثل بلجيكا والبرتغال وفرنسا، وهي خطوات مهمة تصب في خلق الثروة وترقية الاقتصاد الوطني، والتوجّه من تغطية السوق المحلية إلى التصدير، في ظل جهود الحكومة التي قدّمت امتيازات مهمة لتفعيل نشاط المستثمرين.
في الوقت الذي تؤكد السلطات الولائية على وجود جهود كبيرة لترقية مناطق نشاطات صناعية جديدة في طور الاستثمار والمساهمة في تغطية السوق الجزائرية والتطلع إلى عملية التصدير، ما سمح بتجسيد خطوات إضافية، آخرها رفع قيمة الصادرات إلى أكثر من 220 مليون دولار بشكل يحفّز على المزيد من الإنتاج والتصدير، مثلما حصل منذ عامين حين تم تصدير السيراميك إلى البحرين والنيجر من باتنة، من طرف الوحدة الخاصة “سيرام ديكور”، في الوقت الذي كان قد أكد والي ولاية باتنة، الدكتور محمد بن مالك، مؤخرا، بأن تطبيق التوجيهات الرئاسية مكّنت في فترة وجيزة من رفع العراقيل البيروقراطية عن 135 مشروع استثماري معطّل، ما أتاح إنشاء 11 منصب عمل مباشر و5052 منصب شغل غير مباشر، فيما سمحت 356 عملية استثمارية من تصدير ولاية باتنة لمنتجات بقيمة 220 مليون دولار خارج قطاع المحروقات للأسواق الدولية.
علما أن الوحدات المتخصّصة في إنتاج مادة السيراميك في القطر الجزائري تحظى بعناية رئيس الجمهورية، وتنص على منع استيراد المواد المصنعة محليا، ما سمح في الفترة الأخيرة من تغطية الاكتفاء الذاتي لتشرع في مرحلة هامة هي التصدير نحو الأسواق الإفريقية والشرق أوسطية والخليجية، بناء على ما باتت تتوفر عليه من جودة في الصناعة والتصميم وحيازتها على معيار الجودة “إيزو”.
محاربة البيروقراطية لتشجيع المتعاملين الاقتصاديين
وإذا كان قطاع الصناعة في ولاية باتنة قد كشف عن مؤشرات إيجابية وأرقام مشجعة، يطالب الكثيرون بمواصلة محاربة البيروقراطية من أجل تشجيع وتحفيز المستثمرين على الرقي بالإنتاج الصناعي في الولاية من خلال ضمان الوفرة والتنوّع والنوعية، حيث يؤكد الأستاذ عيسى بلخباط في حديثه لـ”الشروق”، بأن بعض العراقيل الإدارية حالت دون انطلاق بعض الوحدات الصناعية في الإنتاج رغم اكتمال هيكلها، لهذا وجب، حسب قوله، على السلطات التعجيل بحل هذه المشاكل العالقة، والحرص على تسهيل الإجراءات، ورفع العراقيل أمام المستثمرين لمباشرة الإنتاج، حتى تضاف إلى القاعدة الصناعية للولاية، وتساهم في توفير مناصب شغل للعاطلين عن العمل، خاصة وأن سكان ولاية باتنة يترقبون انطلاق مصنع تركيب السيارات لعلامة “كيا” سابقا في الإنتاج بعد تسليمه لمجمع “فوندال”، وهو الأمر الذي يسهم في التخفيف من أزمة شح السيارات في السوق الوطنية. وفي السياق ذاته، يؤكد محدثنا أن عاصمة الأوراس تحتاج إلى تدعيم بنيتها التحتية، خاصة في مجال النقل، وذلك بربط شرق الولاية وجنوبها بالسكة الحديدية، وإعادة بعث مشروع طريق الهضاب الذي من شأنه أن يسهم في تسويق المنتوج الصناعي للولاية.
الثورة الاستثمارية كفيلة بخلق الثروة وامتصاص البطالة
والواضح أن الخطوات الهامة التي عرفها القطاع الصناعي في باتنة من شأنه أن يمنح إضافة مهمة ومشجعة حتى يكون مكمّلا للمستوى الذي يعرفه القطاع الفلاحي وعديد القطاعات الإستراتيجية، حيث نوّه الكثيرون بجهود الفلاحين في إنتاج محاصيل مهمة ونوعية من فاكهة التفاح على مستوى الجهة الشرقية لولاية باتنة، ما يرشّحها للتصدير مستقبلا، وهذا موازاة مع الحرص على تغطية السوق الوطنية، بعد قرار الحكومة القاضي بالتقليل من استيراد عدد هام من المواد والمحاصيل المنتجة محليا، كما ذهب البعض إلى التأكيد بأن زراعة الزعفران بمنطقة الأوراس يعد هو الآخر نشاطا فلاحيا مربحا، خصوصا وأن الكيلو الواحد من الذهب الأحمر تتراوح قيمته في الأسواق العالمية بين 400 و800 مليون سنتيم، ما جعل بعض الجمعيات الفلاحية تسعى إلى تحفيز الفلاحين والمستثمرين إلى خوص تجارب نوعية في هذا الجانب. في الوقت الذي يبقى الرهان منصّبا على إحداث ثورة استثمارية في الشق الصناعي، من خلال مرافقة المستثمرين وتوفير المناخ المناسب، وتوفير العقار الصناعي المتواجد في الولاية، بدليل تواجد قطب صناعي ضخم في عين ياقوت وعدة مناطق نشاطات مسجلة، وكذلك توطين الاستثمارات في عدة بلديات ودوائر مثل المعذر وعين ياقوت وبريكة وسقانة والجزائر وزانة البيضاء وغيرها، ناهيك عن المنطقة الصناعية في كشيدة ومصنع الإسمنت بعين التوتة وغيرها من المكاسب الصناعية التي من شأنها أن تجمع بين وفرة الإنتاج والنوعية وترقية الصادرات وقبل كل هذا وذاك توفير مناصب عمل دائمة تساهم بشكل هام في امتصاص نسبة البطالة.