براعة التعنتير!
المناداة والمغالاة بحكاية التشبيب، أصبحت مصدرا لوجع الدماغ و”تكسار الراس”، والحال أنه لا تشبيب بلا تحبيب، ولا داعي هنا لـ “التعجيب” والبحث عن “القمل في راس الفرطاس!”
الجميع يُنادي بهذا التشبيب فمن يشبّب من؟ ومن يحبّب من في من؟ ومن شاب على من؟ ومن شاخ على من؟ وهل الشباب هم الذين بحاجة إلى “تشييخ” ومشيخة؟ أم أن الشيوخ هم الذين بحاجة إلى تشبيب وحتى إلى “روتورداج” يُعيدهم إلى أيام الشباب و”طيش الشباب؟”
إنّنا جميعا: شبابا وشيوخا مطالبون بالتوافق والترافق والاستماع إلى بعضنا البعض دون احتكار ولا احتقار، بلا تكسار ولا إشعال النار، ولا يعتقد أيّ شاب وأيّ شيخ أن الشباب بمقدورهم أن يعيشون دون حكمة وتبصّر الشيوخ، مثلما لا يقدر الشيوخ أن يواصلوا المسيرة دون خفـّة وقدرة الشباب!
قال لي أحد الشباب ــ وهو مشكور على مقاربته ــ أنه لا يستطيع أبدا أن يتنكـّر لجده أو أبيه، مثلما لا يُمكنه أن يتخلى عن موعظتهما ونصيحتهما وخبرتهما وتجربتهما في هذه الحياة التي لا تواجه فقط بالاندفاع والقدرة على الإبداع وبراعة الاختراع!
بالمقابل، قال لي أحد الشيوخ ــ وهو أيضا مشكور على معادلته ــ أنه لا يقدر لا اليوم ولا غدا، أن يُقصي ابنه أو حفيده، مثلما لا يُمكنه أن يتخلى عن خدماتهما ومساعداتهما وقدرتهما على العمل الذي يتم بالمعاونة التي تغلب السبع مثلما يقول المثل الشعبي الشهير!
لا يُمكن لابن أو حفيد أن “يطرد” أبيه أو جدّه من متجر يضمن للعائلة الرزق، مثلما لا يُمكنه طرده من بيت شارك في بنائه طوبة طوبة، لكن بالمقابل لا يُمكن لجدّ أو أب أن يرفض التعافي وتسليم “المهمة” لابنه أو ابن ابنه، على أن يلعب دور “المراقب” و”الناصح” و”المُلهم” بعيدا عن ما قد يعتبره هؤلاء وصاية أو أبوية!
إن الفتنة التي اندلعت أو التي قد تندلع بين “جيل الشباب” و”جيل الشيّاب” هي في ظاهرها مرضية، لكن في باطنها صحية، غير أن على الجيلين المترابطين والمتناحرين في آن واحد، أن يبتعدا عن التناحر والتنابز ومنطق “فولتي وإلاّ.. في الكانون”، حتى لا يتحوّل الاختلاف إلى خلاف!
نعم، لا فائدة من عقلية التقلـّص والتكلـّس و”التمحلس”، بين جيلين عليهما أن يتعايشا سلميا ويتكيّفا مع بعضهما البعض، ويحترما بعضهما البعض بعيدا عن التآمر وعقلية “الحفير” والتزوير و”التمسمير” و”التعنتير”، وبعدها لكلّ جيل وقته، وصدق من قال: “ألـّي فاتو وقتو ما يطمعش في وقت غيرو!”
لكن في كلّ الأحوال، مذنب هو ونكـّار خير من يتعامل مع أحد الجيلين بمنطق “انتهاء مدة الصلاحية”، فلكلّ جيل مفتاحه و”سحره”، فأفلا تصالحتم أيها الشباب والشيوخ حتى لا يقف “حمار الشيخ” في العقبة؟