بوتين لا يرقص الباليه في سورية
أعطني سياسة أعطيك إعلاما. هذه قاعدة من قواعدنا نحن أهل الإعلام لنؤكد فيها تبعية الإعلام للسياسة سلبا وإيجابا، وأما السياسيون فيرون أن الإعلام ليس أكثر من جزيء في اللوجستيك السياسي، رغم أنهم في العقود الأخيرة أخذوا يضخمون هذا الجزيء ويقولون الجنرال إعلام؛ خاصة بعد دوره في حروب أمريكا ضد العراق. وفي عامنا هذا يبدو أن الروس والأمريكان أعادوا هذا الجنرال إلى ما كان عليه قبل قرون حيث ظهر وكأنه جندي بسيط يساق إلى حتفه رغم أنفه.
كيف؟
منذ2011 حين وضعت سياسة إعادة الشرقنة موضع التنفيذ في الوطن العربي ورأى المحللون الإعلاميون العالميون روسيا تهزم في ليبيا كما سبق وأن هزمت في العراق.. لم يقل إعلامي واحد سواء من المختصين في الشرق الأوسط أو روسيا من أوروبيين أو أمريكان كلمة واحدة عن إمكانية عودة الروس إلى هذه المنطقة الحيوية في العالم.. بل قالوا إن الدب الروسي الذي يقوده القيصر المتخرج من المخابرات الشيوعية قد غرق في أوكرانيا حتى الأذقان.. لكن هاهي الدبابات الروسية والطائرات الروسية والجنود الروس في قلب الحدث الأهم في العالم. لقد فوجئى الإعلاميون الكبار جدا في عالم اليوم بأنهم ليسوا سوى جزيء في عالم السياسة التي تدار في غرف محكمة الأغلاق ليس لهم فيها أي مكان حتى لاستراق السمع، وما تخرصاتهم بحرية التعبير وحق المواطن في المعلومة، والحقيقة كل الحقيقة للجماهير، وشفافية الدولة ومكانة المجتمع المدني إلا كلمات تزين بها أوراق مراحيض الساسة.
ولازال الإعلام الدولي بدءا من الروسي يريد أن يقنعنا أن الدبابات الروسية جاءت لتدعم بشار الأسد، ويريدنا كعرب أن ننسى أن بشار الأسد لم يزر موسكو حتى عام2011 ولا مرة واحدة، أما فرنسا فقد زارها ست مرات علنا، وأما بريطانيا فقد فتحت له أبواب قصر باكنغهام حتى وهو طالب يدرس طب العيون فيها، بل إن رئيس حكومتها توني بلير اقترح على المملكة منح بشار أرفع وسام لدى العرش البريطاني.. فلماذا يمكن أن تدافع موسكو عن رجل لم يضعها يوما في حساباته؟
وأكثر من ذلك يواصل الإعلام الفرنسي والأمريكي والغربي عموما استحمارنا ويقول لا فض فوه أن نتنياهو فوجئ بالطائرات الروسية قرب سماوات اغتصبها من أهلها قبل عقود وذهب مسرعا ليتفادى التصادم معها، ويضيف هذا الإعلام الذي يستحمرنا أن طائرات بوتين تقصف المعارضة السورية ولا تقصف داعش، وكأن المعارضة السورية تشكل خطرا على الأسد الذي يدير سوريا منذ ورث السلطة من قصره في طهران؟
لماذا؟
نعم لماذا احتلت روسيا سوريا ـ وكل الاحتلالات منذ مطلع القرن تتم بطلب من الحكومات: الكويت، العراق، اليمن ـ وماهي الأسباب الحقيقية التي تقف وراء هذا الاحتلال؟
هذا ما لا تريد مجموعة السياسيين الدوليين من واشنطن حتى باريس الخوض فيه مع الإعلاميين، فبشار الأسد فقد قراره منذ زمن بعيد وصار وجوده في المشهد العربي مثل واو عمرو في الخط العربي لا يقدم ولا يؤخر، فالقرار في طهران .. وطهران لا يؤتمن لها أو ليست هي التي حالفت الشيطان الأكبر في العراق وأخرجت موسكو من المولد بلا حمص أو ليس من الممكن أن تحالف اسطمبول ضد الأكراد .. اسطمبول ذات الطموح في أن تلعب دورا في الدول الأوروبية التي كانت عثمانية ذات يوم وعلى ذلك فهي تلعب في أوكرانيا أيضا؟
وهكذا فاحتلال روسيا لسوريا يجعلها شريكا كاملا في القرار الايراني بعد حكاية الاتفاق النووي ودورها فيه، ويهدد تركيا وأوروبا تهديدا جديا .. ويحيل أوكرانيا إلى آخر الهامش، ويعيد روسيا إلى المشهد العالمي وينهي مرة واحدة القطبية الأحادية .. وتبعا لذلك فإن داعش باعتبارها صناعة أمريكية أوروبية لإعادة الشرقنة في العالم العربي ينتهي دورها لأن العراق وسوريا سيعودان إلى النفوذ الروسي ـ الإيراني.. إن إعادة الشرقنة تأخذ مسارا جديدا اليوم.
أما فرنسا فلم يعد لها في هذا الشرق شيء، فبشار لم يعد صديقا وأما لبنان فإن الأمور فيه وصلت إلى حد أن بإمكان حسن نصر الله أن يعلنه دولة إسلامية تابعة لولاية الفقيه دون أن يحرك أحد ساكنا لا إسرائيل ولا أمريكا ولا آل سعود ولا أردوغان.. فكرسي الرئاسة في لبنان فارغ منذ مايزيد عن عام بانتظار كلمة نصر الله.. ولم تستطع القوى التي اعتادت على تعيين الرئيس اللبناني بما فيها فرنسا وأمريكا والسعودية أن تنبس ببنت شفة، وحتى فرنسا بدت مهددة في شمال إفريقيا فحكاية ربراب في الجزائر وفشلها في مالي وليبيا علامات تضاف إلى علامات فشلها في أوكرانيا وتراجع الدور الفرنسي أوروبيا وإفريقيا وعربيا يخدم موسكو بالتأكيد، وهاهي برلين تعرف اللعبة ولا تشارك في حرب داعش ولا تعترض على احتلال الروس بل تقول إن حل المشكلة السورية ـ لاحظ المشكلة السورية ـ يمر بالتعاون مع موسكو وبلغة أخرى فإن ألمانيا وجهت صفعة للاتحاد الأوروبي الذي بدأ يتهاوى تحت أقدام “الحراڤة” الذين أطلقهم أردوغان.
لكن كل الذي قلناه عن الأسباب الحقيقية لاحتلال روسيا لسورية لا ينفعها في شيء إذا لم تكن لها كلمة مؤثرة في القضية الفلسطينية لب المشكلات قي الوطن العربي مشرقه ومغربه وفي العالم الإسلامي.. فما هي كلمتها؟
هناك استفساران:
1 ـ هل قال بوتين لنتنياهو: حاضر سيدي إنني سآمر الطيارين الروس أن يتركوا طائراتك ترتع في أجوائنا السورية وأجواء حلفائنا في لبنان، أم أنه قال له عليك أن تهيئ نفسك لدولة فلسطينية مجاورة وتنهي المشاكل في الشرق الأوسط ولو لعقود قادمة، فأنا لا أريد مشاكل على مقربة من حدودي ومياهي؟
إن الإعلام الغربي ومعه الروسي يصوّر لنا بوتين وكأنه جندي إسرائيلي يتلقى تعليمات من نتنياهو … وبالتأكيد إن ذلك ليس صحيحا .. بدليل أن نتنياهو جوابا على خطاب عباس أعلن استعداده للتفاوض مجددا وأنه مازال مع مشروع الدولتين.
2 ـ كلنا يعلم أن محمود عباس قال إنه سيلقي قنبلة خلال خطابه في الأمم المتحدة، وكان ذلك قبل وصول روسيا إلى سوريا، وحين وصلت وجدناه يتخلى عن تلك القنبلة بل ويلقي أكثر الخطب الفلسطينية نعومة في الأمم المتحدة منذ أكثر من ستين سنة، بل إن خطابه لحظة رفع العلم الفلسطيني وهي لحظة يحتاجها عباس كثيرا من الناحية الإعلامية مرّ وكأنه يرفع العلم في مدرسة ابتدائية.. فمن الذي أنزل كل هذه السكينة وكل هذا الهدوء على جوف محمود عباس؟
في اعتقادي أن الذي يستطيع من المحللين الإعلاميين الإجابة على هذين السؤالين بدقة وعمق هو الذي يكون قد شارك أولئك السياسيين في الغرف الشديدة الظلام ويكون جنرال الإعلام ويكون الإعلام جنرالا فعلا.
وفي انتظار ذلك أقول: إن بوتين لم يحضر إلى الشرق الأوسط ليدافع عن واو عمرو أو ليرقص رقصة باليه على مسرح السياسة الدولية وينسحب مع فرقة البولشوي.