بين الشهيد المبحوح والحاخام كوغان
بسرعة قياسية، أعلنت الإمارات العربية المتحدة أنّ أجهزتها الأمنية توصّلت إلى تحديد هوية قتلة الحاخام الصهيوني تسفي كوغان، واعتقالهم، وبدء التحقيق معهم تمهيدا لمحاكمتهم لاحقا، ويتعلّق الأمر بثلاثة “جناة” كما وصفتهم، وهم من أوزبكستان.
وبهذا الصدد، نودّ أن نقدّم عدة ملاحظات:
الأولى: منذ اختفاء الحاخام الصهيوني الخميس الماضي إلى حدّ الساعة، والسلطات الإماراتية تحرص أشدّ الحرص على تقديمه على أنّه “مواطن مولدوفي” وأنها “تتواصل مع عائلته في مولدوفيا”، ولم تشر بتاتا إلى أنّه حاخام صهيوني، وأنّه كان جنديا سابقا في جيش الاحتلال وتحديدا في لواء “غفعاتي” الذي ارتكب الكثير من الجرائم بحقّ الفلسطينيين على مدار عقود، أبشعها في غزة وكذا في لبنان الآن. والواضح أنّ انتماء هذا الحبر إلى الكيان الصهيوني وجيشه المجرم يحرج الإمارات ويدين غرقها في الانبطاح والولاء للاحتلال في وقت تتواصل فيه المجازر الصهيونية بحقّ الأطفال والنساء في غزة، وتصدر المحكمة الجنائية الدولية مذكرتي توقيف بحقّ نتنياهو وغالانت، لذلك، تتستّر تماما عن الهوية الحقيقية للحاخام كوغان وتصرّ فقط على إبراز جنسيته المولدوفية، والمفارقة أنّ نتنياهو والقادة الصهاينة ووسائل إعلامهم يؤكّدون منذ أيام الهوية الصهيونية لكوغان، ومن دون أيّ حرج!
الثانية: وصفت الإمارات المشتبه بهم الأوزبكيين الثلاثة بأنّهم “جناة” مع أنّ القاعدة القانونية المعروفة عالميا تقول إنّ “المتهم بريء حتى تثبت إدانته”، وأكثر من ذلك نشرت أسماءهم وصوّرهم وشهّرت بهم في مخالفة صريحة للقانون، وهذا ما يعكس نيّة الإمارات في إدانة هؤلاء الثلاثة مسبقا قبل أن يدينهم جهاز قضائها الواقع تحت الهيمنة الكاملة للسلطة التنفيذية، سواء كانوا هم الذين قتلوا الحاخام أم لا، ومن ثمّة، طيّ الملف بسرعة، لما يشكّله لها من صداع وحرج.
الملاحظة الثالثة: أنّ الإمارات توصّلت في وقت قياسي إلى معرفة “الجناة” كما وصفتهم، وإيقافهم، وهذه السرعة الكبيرة التي تؤكّد “حزم” الإمارات وتجنيد أجهزة أمنها للبحث عن المشتبه بهم، تدعونا إلى الأسف والحسرة حينما نتذكّر القيادي في “حماس”، محمود المبحوح، رحمه الله، الذي اغتاله بضع عشرة عضوا تابعا للموساد بفندقه بدبي في 17 جانفي 2010، وخرج هؤلاء القتلة من الفندق ثم الإمارات كلّها سالمين، ووعدت الإمارات حينها بالتحقيق في الجريمة والقبض على الجناة وتقديمهم للمحاكمة لينالوا جزاءهم، وتظاهرت فعلا بفتح بعض التحقيقات، لكنّها لم تفض إلى شيء وبقي القتلة أحرارا طلقاء، ولم تتعاون الإمارات مع “الأنتربول” لاستصدار أيّ مذكرة توقيف دولية بحقّهم، برغم أنّ كاميرات الفندق بدبي صوّرت وجوههم بكلّ وضوح، وهوياتهم معلومة وإن دخلوا البلد بجنسيات غربية متعدّدة، والأكثر من ذلك، اتّهم نجل المبحوح الإمارات بإطلاق سراح فلسطينيين اثنين اتّهمهما بالعمل لصالح دحلان والتورّط مع الموساد في الجريمة، بعد أن تسلّمتهما من الأردن، وطوي ملف اغتيال المبحوح منذ جانفي 2010 إلى اليوم، وفلت المجرمون الصهاينة وعملاؤهم من العقاب طيلة 14 سنة كاملة، في حين قبضت الإمارات على ثلاثة مشتبه بهم بعد الكشف عن مقتل الحاخام كوغان بـ24 ساعة فقط! إذا كانت أجهزة أمنها بهذه الكفاءة العالية، فكيف “عجزت” عن اعتقال قتلة المبحوح طيلة 14 سنة، وقبضت على المشتبه بهم بقتل الحاخام في ظرف يوم واحد؟
المسألة إذن لا تتعلّق بالكفاءة والذكاء والمهارة، بل بالولاء، وولاء الإمارات الآن ليس للقضيّة الفلسطينية والقدس والمسجد الأقصى المبارك، بل لـ”الديانة الإبراهيمية” المزعومة، ولحليفها الصهيوني الذي يخوض حرب إبادة شاملة في غزة ضد المدنيين الفلسطينيين تحت عنوان زائف وهو “القضاء على حماس”، التي اتّخذتها الإمارات عدوّا لدودا لها.
إنّ اغتيال الحاخام والجندي السابق بلواء “غفعاتي” الصهيوني، والاشتباه باغتيال صهيوني آخر بالولايات المتحدة، والاشتباكات التي وقعت بين جاليات مسلمة ومستوطنين بأمستردام الهولندية قبل أسبوعين.. كلّها مؤشرات على مدى تصاعد موجة العداء للصهاينة في العالم؛ إذ لا نتوقّع أن يقوم جيش الاحتلال بمجازر وحشية ضدّ الأطفال والنساء والمدنيين ويدمّر بيوتهم ومستشفياتهم ومدارسهم بغزة في كلّ ساعة، ويجوّعهم ويهجّرهم من بيوتهم وأراضيهم ليمنحها لشذّاذ الآفاق من مستوطنيه، ثم يستقبلهم المسلمون وأحرار العالم بالأحضان في أيّ مكان حلّوا به.. هذه الجرائم إذا مرّت مرور الكرام لدى الأنظمة الخائنة المتصهينة، فلن تكون كذلك بالنسبة للشعوب التي تغلي عروقها كالمرجل وستثأر للفلسطينيين كلّ يوم بطرقها الخاصّة، وما حدث في أمستردام وأمريكا والإمارات ليس سوى البداية.
أخيرا، نسأل القادة الصهاينة الذين وصفوا اغتيال كوغان بـ”الجريمة المعادية للسامية”: ماذا عن قتل 44 ألف مدني فلسطيني، 70 بالمائة منهم نساء وأطفال؟ هذه المحرقة الوحشية.. ماذا تسمّونها؟