بين همومنا وهمومهم!
تحت وطأة النظام العالميّ الجديد الذي خطّط ليكون “همّ الخبزة” هو الهمّ الأوّل والأهمّ لشعوب العالم الثّالث، أصبح من الصّعب أن يحافظ المسلم على ترتيب أولوياته وهمومه، ويبقي على قضايا دينه وأمّته على رأس أولوياته.. لهيب الأسعار الذي لا تصمد أمامه الرواتب طويلا حتى تتبخّر، مطالب الحياة اليوميّة التي تزداد وتتنوّع وتتوالد، الخصومات بين الجيران وبين الأقارب وبين الأزواج بل وحتى بين الأبناء ووالديهم، على المساكن والأراضي والأموال… كلّ هذا من شأنه أن يستغرق وقت المسلم وهمّه ويجعله ينكفئ على نفسه بعيدا عن هموم أمّته التي تُقطّع أشلاءُ أبنائها في غزّة ولبنان واليمن والسّودان.. حتى وإن تفاعل مع قضايا إخوانه فإنّه لا يلبث طويلا حتّى يعتاد محنتهم تحت ضغط الهموم الخاصّة!
أسعار الطّماطم زاحمت أسعار الموز! البطاطا تصرّ على أن تتحوّل إلى فاكهة! اللّحم لمن استطاع إليه سبيلا. أسواق السيارات يلفح لهيبها كلّ من يقترب. قطع الغيار نافست في غلائها وندرتها بعض الأدوية. مسابقات التّوظيف فتحت أبوابها ليفتح معها همّ البحث عن أقوى الوساطات التي توصل إلى كثير من المناصب! هموم لا مناص من حملها، وليس حراما أن نحملها، إنّما الحرام أن نسلك إلى الحلال طرقا محرّمة، في الوقت الذي يُحرَم فيه إخواننا وأحبّتنا في غزّة كلَّ حلال ويموتون جوعا.. دمعات أطفال غزّة التي تسيل بسبب الجوع والبرد، وصرخات الأمّهات اللاتي يستغثن المسلمين بأن يدركوا أطفالهنّ من شبح الجوع الذي يتهدّد أرواحهم التي بلغت الحناجر.. كلّ هذا يفترض أن يحرّك قلوبنا ويغيّر حياتنا، فنلجم أنفسنا الأمّارة بالسّوء التي لا تكتفي بالحلال حتى تتطلّع إلى الحرام.. صور أطفال غزّة وهم يقفون في الطّوابير بأرجل حافية وأجساد عارية يلسعها البرد، ينتظرون المساعدات القليلة التي تصل إلى خيامهم التي لا تقيهم بردا ولا مطرا؛ هذه الصّور يفترض أن تكون سياطا تؤدَّب نفوسنا ومطارق تحطّم الصّخور التي تغلّف قلوبنا.
ليس مطلوبا منّا ونحن نرى ما يحصل من أهوال في غزة ولبنان، أن نجلس في بيوتنا لنبكي مصاب إخواننا ونترك أعمالنا وواجباتنا، إنّما المطلوب منّا أن نصلح أحوالنا ونكبح جماح نفوسنا عن الحرام وعن الظّلم وعن الفساد، ولا نسمح لهمّ الأمّة أن ينزل إلى درك أولوياتنا!
ليس يليق بمسلم يرى أطفالا في غزّة يموتون جوعا، وهو يلهث في طرق ملتوية خلف منصب قد يكون فيه فساد دنياه ودينه وآخرته.. يرى أطفالا في غزّة يتحدّثون بدمعات تخنق كلماتهم عن شوقهم لقطعة الخبز اليابسة، وهو يلتهم الحرام في وظيفته أو في تجارته.. يرى شبح الجوع يخيّم على جباليا وبيت لاهيا في غزّة، وهو يلجم فمه بلجام من نار ويحبس لسانه خوفا على خبزته.. يرى إخوانه في غزّة يقتسم الجار منهم مع جيرانه الخيمة الواحدة والكسرة الواحدة، وربّما يتداولون على البطانية الواحدة، وهو يعادي جاره لأجل نافذة أو شرفة أو شجار بين الأبناء! أو يعادي أخاه أو أخته بسبب حظّ زائل من الميراث.
في زمن مضى، كان الرّجل إذا سمع بمصيبة ألـمّت ببعض إخوانه المسلمين، يمكث أياما وهو محزون يدعو لهم بدموع عينيه قبل كلمات لسانه، ويفقد شهيته للطّعام وكثير من المباحات، لأنّ في دمه يسري قول الله تعالى: ((إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ))، ويسري حديث النبيّ –صلّى الله عليه وآله وسلّم-: “مثلُ المؤمنين في تَوادِّهم، وتَرَاحُمِهِم، وتعاطُفِهِمْ، مثلُ الجسَدِ إذا اشتكَى منْهُ عضوٌ تدَاعَى لَهُ سائِرُ الجسَدِ بالسَّهَرِ والْحُمَّى”.. ومن مواقفهم التي روتها كتب السّير أنّ التابعيّ أويسَ القرني –رحمه الله- كان يتصدّق في آخر النّهار بما فضل عنده من طعام، ويقول: “اللهم إنِّي أبرأُ إليك من كل كبد جائعةٍ، ومن كلِّ بدنٍ عارٍ، اللهم إنِّي لا أملكُ إلا ما ترى”.
أمّا في زماننا، فنحن نرى بأعيننا على هواتفنا صور جثث الأطفال التي تقطعت أشلاء في غزّة صباح مساء، لكنّنا نمرّ عليها كأنّها جزء من مسلسل ألفناه وتعوّدنا عليه.. نلقي التبعة كلّها على الخائنين والخاذلين والمطبّعين، ثمّ نمضي في حياتنا لا نغيّر شيئا في قلوبنا ولا في علاقتنا بأنفسنا ولا في علاقتنا بالله ولا في علاقة بعضنا ببعض.. ومنّا من يبقى مصرا على تنجيس عينيه بالنظر إلى الشّهوات، بتتبّع الصور العارية والمقاطع القذرة على هاتفه، ويصرّ على الانغماس في التفاهة إلى مفرق رأسه.
لو كانت الأمّة في كامل عزّها ما كان يليق أبدا أن ننحدر إلى هذا الدّرك من الانغماس في الدّنيا واللهث خلف التّفاهة، كيف وأمّتنا تنتقص من أطرافها؟! إنّ اعتياد مصيبة إخواننا وإلفها، كبيرة من كبائر الذّنوب، تنذر بعقوبة عاجلة أو آجلة من الله. ((وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَاب))، الفتنة التي تنزل بالأمّة بسبب خذلانها لغزّة لن تخصّ الخائنين والخاذلين والمطبّعين، بل تعمّ من يصرّون على إضاعة الواجبات واتّباع المحرّمات وهم يرون إخوانهم يبادون.