-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
تغيير قواعد "الحرب" على بارونات المخدرات

تانزروفت… توجّه نحو تعزيز الرّدع وإحكام السيطرة على الجريمة المنظمة

نادية سليماني
  • 250
  • 0
تانزروفت… توجّه نحو تعزيز الرّدع وإحكام السيطرة على الجريمة المنظمة
ح.م
تعبيرية

بوصوغة: السجن… من فضاء لتنفيذ العقوبة إلى أداة لتحييد الجريمة
حمديني: دوافع القرار خطورة الظاهرة وتشعباتها الاجتماعية والأمنية

لم يعد التصدي للجريمة المنظمة في الجزائر يقتصر على تشديد العقوبات، بل بات يتطلب رؤية أمنية متكاملة تجمع بين الردع والوقاية وإحكام السيطرة على الشبكات الإجرامية التي تهدد استقرار المجتمع.
فسجن تانزروفت يبرز في وقت تسعى فيه السلطات للتوجه نحو تعزيز إجراءات تعكس التعامل الحازم مع خطورة العصابات المنظمة، وخصوصا جريمة الاتجار غير المشروع بالمخدرات وتداعياته على الأمن الوطني.
كما يندرج إنشاء هيئة مختصة بمكافحة الاتجار بالمخدرات ضمن مسعى لتعزيز التنسيق بين مختلف الأجهزة والمؤسسات المعنية، وتطوير آليات الرصد والتحقيق والتفكيك الاستباقي للشبكات الإجرامية.
ينظر مواطنون ورجال قانون إلى قرار إنشاء سجن في قلب الصحراء لبارونات المخدرات وشبكات الجريمة المنظمة، خطوة نحو حماية المجتمع وتجفيف منابع الجريمة، والتي تبقى فعاليتها مرتبطة بصرامة التطبيق، واحترام القانون، ومواصلة الجهود الوقائية والتوعوية، بما يضمن تحقيق الردع المنشود وترسيخ الأمن والاستقرار.
وفي هذا الصدد، تؤكد الباحثة في القانون، بسمة بوصوغة، أن مكافحة المخدرات في الجزائر، لم تعد تقتصر على حجز الشحنات وتوقيف المروجين، بل باتت تتجه في ظل تنامي أخطار الجريمة المنظمة وتطور أساليب البنية التي تقف وراء هذه التجارة وتجفيف منابعها وتحجيم قدرتها على إعادة إنتاج نشاطها الإجرامي.
وبحسب تصريحها لـ ” الشروق”، يبرز قرار تخصيص سجن تانزروفت لاحتضان بارونات المخدرات ومروجيها كإحدى “أبرز الخطوات التي تعكس توجها نحو تعزيز الردع وأحكام السيطرة على أخطر الفاعلين في هذه الشبكات”.

مقاربة أوسع لمكافحة المخدرات
وترى بوصوغة، بأن اختيار تانزروفت بما يحمله الموقع من خصوصية وبعد جغرافي لا يبدو مجرد إجراء يتعلق بتوزيع المحبوسين أو توفير فضاء عقابي عالي التأمين، وإنما “يطرح تساؤلات أعمق حول طبيعة السياسة الجنائية والأمنية التي تتبناها الجزائر في مواجهة تجارة المخدرات ومدى قدرة المؤسسة العقابية على التحول من مجرد فضاء لتنفيذ العقوبة، إلى أداة تساهم في تحييد القيادات الإجرامية ومنعها من مواصلة التأثير في شبكات الاتجار بالمخدرات حتى بعد صدور الأحكام القضائية”.
ومن هنا يطرح سجن تانزروفت، بحسب قولها، نفسه باعتباره جزءا من مقاربة أوسع لمكافحة المخدرات، تقوم على الجمع بين الردع والعقوبة من جهة والوقاية والعلاج من جهة أخرى، وتفكيك شبكات الجريمة المنظمة من جهة أخرى، بما ينسجم مع التحولات التي عرفها التشريع الجزائري في السنوات الأخيرة.

تحييد بارونات المخدرات
وتؤكد الباحثة في القانون، أن تخصيص سجن تانزروفت لاحتضان بارونات المخدرات ومروجيها “خطوة تتجاوز في دلالتها مجرد إنشاء فضاء جديد لتنفيذ العقوبات، لتطرح نفسها كخيار أمني يستهدف واحدة من أخطر حلقات منظومة الاتجار غير المشروع بالمخدرات والمؤثرات العقلية، وهي الحلقة المرتبطة بكبار المتاجرين والفاعلين القادرين على إدارة شبكات منظمات تمتد أحيانا إلى أكثر من منظمة وتتجاوز الحدود الوطنية”.
وقالت إن أهمية هذا التوجه، تكمن في أن خطورة جرائم المخدرات لا ترتبط فقط بحجم المواد المحجوزة أو عدد الموقوفين، وإنما كذلك بوجود شبكات منظمة تقوم على توزيع الأدوار وتوفير التمويل والنقل والتخزين، بما يجعل التعامل مع هذه الظاهرة تتطلب استهداف الرؤوس المدبرة، وليس الاكتفاء بتوقيف العناصر التي توجد في أدنى هرم الشبكة.
وهو ما يمكن، بحسب قولها، يمكن أن يشكل تخصيص منشأة ذات تدابير أمنية مشددة لفائدة هذه الفئة “وسيلة للحد من المخاطر المرتبطة بإدارة النشاط الإجرامي من داخل المؤسسات العقابية، لاسيما عندما يتعلق الأمر بأشخاص يملكون النفوذ والموارد والقدرة على التواصل مع امتدادات شبكاتهم في الخارج”.
وأضافت بوصوغة، أن تنفيذ العقوبة لا ينبغي أن يتحول إلى فرصة لاستمرار النشاط الإجرامي بوسائل غير مباشرة، وإنما يفترض أن يؤدي إلى تحييد المحكوم عليهم عن ممارسة تأثيرهم على الشبكات التي كانوا ينشطون ضمنها.
وأكدت، عزل بارونات المخدرات عن باقي فئات المحبوسين يمكن أن يساهم في الحد من تحول المؤسسة العقابية إلى “فضاء لإعادة بناء العلاقات الإجرامية أو استقطاب عناصر جديدة داخل شبكات الاتجار”.
فالجريمة المنظمة، بحسب قولها، تقوم في جانب منها على العلاقات والنفوذ وتبادل المصالح، الأمر الذي يجعل تحييد العناصر القيادية وتقليص قدرتها على التأثير جزءا مهما من إستراتيجية تفكيك الشبكات.

من العقوبة الفردية إلى تحييد المنظومة الإجرامية
لا ينبغي أن يختزل دور المؤسسة العقابية في مجرد تنفيذ العقوبة السالبة للحرية لاسيما عندما يتعلق الأمر بجرائم المخدرات التي أصبحت تأخذ في كثير من صورها طابعا منظما تقوم على تعدد الفاعلين وتوزيع الأدوار ووجود امتدادات تتجاوز الحدود، موضحة بالقول: “إن إيداع أحد بارونات المخدرات والمؤثرات العقلية السجن، وإن كان يمثل نتيجة طبيعية للمساءلة الجزائية لا يعني بالضرورة توقف النشاط الإجرامي الذي تقوده الشبكة، إذ قد تستمر عناصرها في الخارج لتنفيذ الأدوار والمسؤوليات الموكلة إليها وهو ما يجعل تحييد الشبكة وتفكيك بنيتها هدفا أكثر شمولا من مجرد سلب الحرية”.
وعليه، فإن الرهان الحقيقي، بحسب الباحثة في القانون، بسمة بوصوغة، لا يتمثل فقط في أن يقضي بارون المخدرات عقوبته، وإنما في أن يؤدي ذلك بالتوازي مع الإجراءات الأمنية والقضائية والمالية، إلى إضعاف الشبكة التي ينتمي إليها وقدرتها على الاستمرار وإعادة التشكل.
لتخلص المتحدثة، إلى أن سجن تانزروفت، هو تصور أوسع لمكافحة الجريمة المنظمة ينتقل من منطق العقوبة الفردية إلى منطق تحييد المنظومة الإجرامية برمتها.

امتدادا للمجهودات المبذولة…
ومن جهته، اعتبر رئيس المنظمة الوطنية لإعادة إدماج المساجين والوقاية من العوْد، عمار حمديني، أن تخصيص مؤسسة عقابية للمتورطين في قضايا الاتجار بالمخدرات يندرج ” ضمن المسار الذي انتهجته الجزائر لمواجهة هذه الجريمة”، مؤكدا أن مكافحة المخدرات لم تعد تقتصر على الجانب العقابي، بل تشمل أيضا الوقاية والتوعية والتكفل بالعلاج.
وأوضح حمديني، في تصريح لـ”الشروق”، أن الدولة اعتمدت، على حد تعبيره، مقاربة تجمع بين الحزم في تطبيق القانون والوقاية من انتشار المخدرات، إلى جانب توفير سبل العلاج للمدمنين، مشيرا إلى أن هذه المقاربة تعكس إدراكا بخطورة الظاهرة وتشعباتها الاجتماعية والأمنية. ويرى محدثنا أن تشديد العقوبات على المتورطين في الاتجار بالمخدرات يمثل “إحدى الوسائل المهمة للحد من نشاط الشبكات الإجرامية، خاصة أن التشريع الجزائري، يقر عقوبات صارمة قد تصل إلى السجن المؤبد في بعض الحالات”. كما لفت إلى أن فئة من المحكوم عليهم في جرائم المتاجرة بالمخدرات تخضع لقيود تتعلق بالاستفادة من بعض الامتيازات المقررة للمساجين، من بينها استثناؤهم من إجراءات العفو الرئاسي والعقوبات البديلة، بحسب الحالات التي يحددها القانون.
وبخصوص قرار تخصيص مؤسسة عقابية لهذه الفئة من المجرمين، قال حمديني إن الخطوة تأتي امتدادا للمجهودات التي بذلتها الدولة في مجال مكافحة المخدرات، ولا يمكن النظر إليها باعتبارها إجراء معزولا عن بقية التدابير المتخذة. وأضاف أن مثل هذه القرارات تكون عادة نتيجة نقاشات وتصورات متعددة، تشارك فيها اعتبارات الأمنية والاستراتيجية والوقائية.
وأكد رئيس المنظمة أن أهمية هذا التوجه لا تقتصر على تشديد الرقابة داخل المؤسسات العقابية، بل تتجاوز ذلك إلى تعزيز قدرة الدولة على التعامل مع شبكات الاتجار بالمخدرات، التي غالبا ما ترتبط أنشطتها بجرائم أخرى، على غرار تبييض الأموال والتهريب.
وخلص حمديني إلى أن محاصرة هذه الشبكات تتطلب الجمع بين العقوبة الصارمة والإجراءات الوقائية، معتبرا أن تحييد العناصر الفاعلة في الجريمة المنظمة من شأنه “أن يساهم في الحد من انتشار المخدرات وتقليص انعكاساتها على المجتمع، خاصة في ظل تنامي المخاطر المرتبطة بالاتجار غير المشروع بهذه المواد”.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!