تحرير الأمل المعزول
المشكلة ليست في الأشخاص بل في السياسات، سواء أكانوا مسؤولين في أعلى المستويات أو رؤساء بلديات على مستوى الوحدة القاعدية للتسيير، سواء أكانوا شبابا أو شيوخا، نزهاء أو غير نزهاء، منتمين لهذا الحزب أو ذاك، فإنهم في آخر المطاف لن يستطيعوا مقاومة السياسات العامة إذا ما كانت خاطئة أو غير سليمة، وسينتهي بهم الأمر إلى ما انتهى بغيرهم، إما الانسحاب من المسيرة أو مسايرة الركب.
قليلٌ هم من يصمدون لمحاولة ثانية أو ثالثة أو حتى رابعة، ولكن حتى هؤلاء، سيكتشفون في آخر المطاف، بأن السياسة الفعَّالة المنتِجة للتقدم، لا يصنعها فردٌ في مستوى معين من مستويات القرار، مهما بلغ من العبقرية، إنما سياسات عامة كُلِّية تكون نِتيجة عملِ الآلاف من الخبراء والمختصين، كل في ميدانه وتؤطرها مؤسسات.
نحن لم نبلغ بعد هذا المستوى.. وجدنا أنفسنا مضطرين لاختزال الأمل اليوم في هذا المسؤول أو ذاك، في أن يكون وفيا لعهوده، أن لا ينقلب على عقبيه، أن يستمر على ذات الطريق الصحيح، أن لا يخدع من وثقوا فيه، أي اختزلنا كل المستقبل في شخص أو مجموعة أشخاص إن كان رئيس بلدية أو رئيسَ مجلسٍ شعبي ولائي أو أي مسؤول في أي مستوى كان… وهنا نكون قد قُمنا بعمل خطير للغاية، خلاصته أننا عزلنا الأمل في زاوية ضيِّقة على إثر شَخْصَنَتِه بطريقة أو بأخرى، وتركنا أنفسنا مُهَدَّدِين في أي لحظة بفقدانه، وهذا ما ينبغي تصحيحه.
وتصحيحه لن يتم إلا بنقل السياسة من حدودها الدنيا المرتبطة بإرادة الأفراد، مهما كانوا عباقرة أو مُلهَمين، إلى أفقها الرحب الذي عليها أن تتحرك ضمنه المرتبط بالمؤسسات الفاعلة وبديناميكية المجتمعات المتطلعة بحق إلى التقدّم وفق قواعد صحيحة.
هذا ما ينبغي علينا القيام به إن أردنا تحقيق الوثبة النوعية التي طالما انتظرناها، أو أردنا الانتقال من مصاف الدول المترددة أو المراوحة مكانها إلى مصاف الدول المشاركة في كوكبة العشرين الأوائل في العالم.
بإمكاننا ذلك، إذا ما تمكنا من جعل الكفاءات الوطنية توحِّد جهودها ضمن سياسات عامة مدروسة بطريقة موضوعية وقادرة على منح نفسها المُناخ الملائم لتفجير عبقريتها في جميع المجالات. ونحن بلا شك نملك ما يلزم منها، في الداخل وفي الخارج، لتحقيق الغاية المنشودة وتجاوز كافة الصعوبات.. فقط علينا تحرير السياسات من قبضة الأشخاص، وتحرير الإرادة الجماعية من تسلّط الإرادات الفردية، وقبل هذا وذاك تحرير الأمل الذي كثيرا ما عانى مِمَّن حاولوا عبثا عزله أو اعتقدوا وهما أنهم عزلوه أو قتلوه.