تحضيرًا لما بعد 2030
بداية الحديث عن استحقاقات انتخابية قادمة، وحتى تعديلات تقنية دستورية تحضيرا لها، تصبُّ حتما في بركة المواعيد الانتخابية المقبلة، التشريعية والمحلية والرئاسية بالطبع.
هذه الاستحقاقات لها طعمٌ خاص ويمكن أن تفضي إلى عتبة جديدة أخرى ضمن مسار طويل نسبيا بعتبات متعددة محاولة من الدولة ترتيب الأوضاع والتحضير لانتقال سلس وديمقراطي للمؤسسات، تختلف عن تلك المراحل والعتبات المتسرّعة في بداية التسعينيات التي أفضت إلى خريطة سياسية وحزبية متحفزة ومتضاربة المصالح ومتصارعة بشكل سار يهدد الوحدة الوطنية والهوية وحتى المؤسسات المنتخَبة، باسم التعددية والديمقراطية. هذا على الأقل ما يراه العقل الصانع لمحرك التغيير.
ما يحضَّر له، لاسيما للانتخابات التشريعية ثم الرئاسية، له مذاقٌ مختلف لكونه سيفتح الباب من جديد لمنافسة انتخابية ولمجال تعدُّد الخطابات السياسية التي تحولت بعد الحراك وبعد زمن العراك إلى نخب بلا تأثير وبلا خطاب مغاير ومؤسس، خلا قلة منها، وهذا بسبب ظروف متعددة نجمت عن الانتقال الداخلي ولكن أيضا بسبب ظروف خارجية وضعت الجزائر في حالة استنفار في جميع المجالات.
فرنسا، والوضع في الجنوب وعلى الحدود الغربية والشرقية، بدا وكأن البلد مستهدَف، وعلى الجميع أن يدركوا أن الوحدة والابتعاد عن المناكفة السياسية، مكرَهة أو راضية، هي الحلُّ ولو أدى ذلك ظاهريًّا في نظر الماكينة السياسية والإدارية إلى الحدّ من الحريات السياسية المكتسبة في نظر البعض في السلطة كما في المعارضة.
في هذا السياق، عمل رئيس الجمهورية مرارا على محاولة طمأنة الطبقة السياسية والحزبية وحرصه على ضمان هذه الحريات المكتسبة، في إطار تشاوري وتشاركي دوري، مستقبِلا أكثر من مرة فاعلين جمعه مع مؤثرين وقياديين سياسيين ومثقفين.
اليوم، يبدو أنه مع اقتراب فتح المجال من جديد لمنافسة فعَّالة بعد أن باتت الأحزاب تعلم أن الرئيس وفى وسيفي بعهده في احترام الدستور الذي أصر هو بنفسه على تقليص العهدات الرئاسية إلى اثنتين فقط، فإنَّ المجال سيكون مفتوحا أمام القوى والكتل السياسية لدخول غمار الموعد الانتخابي الرئاسي المقبل.
ما يحصل معنا، يوازي ما يحصل في الضفة الأخرى وبشكل تناوبي، مثل الليل الذي يتعاقب مع النهار، والسبب أن البلد الذي احتلَّ بلدا آخر سنة 1830، هو الآخر يمر بتحولات يمر بها البلد الذي جرى احتلاله ثم افتكاك الاستقلال والحرية منه بعد ثلاثة أجيال كاملة. فرنسا التي احتلت الجزائر هروبا من أزمة المملكة التي أطيح بها وبملكها شارل العاشر في نفس سنة احتلاله للجزائر، تلتقي تاريخيا مع الجزائر في هذا التحول الكبير عبر هذه العلاقة: مستعمِر ومستَعمر سيعيشان تناوبا مجتمعيا: نهاية كل جيل تحدث تغيرات بعد 1830 سواء في الجزائر المستعمَرة أم في فرنسا المستعمِرة، وكلما حلت نهاية جيل، رأينا تغيرا يحدث في البلدين: 1871، بداية نهاية المقاومة الشعبية في الجزائر وبداية استقواء الاحتلال. 1912، بعد 40 سنة، الجيل الثاني، بداية التمرد على سلطة الاحتلال ورفض قوانين التجنيد الإجباري تمهيدا لدخول فرنسا الحرب العالمية الأولى. أربعون سنة بعدها، ويبدأ التحضير للثورة: 1950، وفي فرنسا بداية سقوط الجمهورية الرابعة سنة 1958 بفعل ضربات الثورة الجزائرية. واليوم، بعد الجيل الذي سينتهي عمليا في حدود 2030، كل من البلدين سيكونان على عتبة تغيير متوسِّطة الوقع، تحضيرا للتغير الكبير في معالم 2070.
ضمن هذا المنظور السوسيو تاريخي يُنظر إلى متغيرات السياسة وآفاقها في الجزائر كما في فرنسا، كما لو كانتا قوَّتين متعارضين في القوة، متباينتين، متناوبتين على حركة التاريخ.