تعفّن الفنُّ يا شيخ وهران ؟!
في كل مرة ترحل فيها عن الدنيا قامة فنية سامقة ببلادنا، إلا ّ ونستحضر أيام الزمن الجميل ونتباكى على حال الفن الذي تعفّن وأصبح أداة لتدمير القيم الأخلاقية في المجتمع، ونشر الفوضى والابتذال بين مكوناته بدل الرقي بفكرهم وأخلاقهم.
رحيل القامة الطربية السامقة وأيقونة الفن الوهراني الأصيل بلاوي الهواري، عن عمر الـ91 سنة، بقدر ما فجع ذويه ومحبيه ومن تربوا على أغانيه، جعلنا نترحم على أيام الراحل وكوكبة من أعمدة الأغنية الجزائرية على غرار دحمان الحراشي، والعنقى، والهاشمي قروابي، وأحمد وهبي، وخليفي أحمد.. الجزائر ودعت في بلاوي الهواري الفن الراقي والأصيل، ودّعت الكلمة المعبرة والرسالة الهادفة، وترحمت على الزمن الجميل، لمّا كانت الأغاني تطرق أبواب العائلات الجزائرية، وتخترق سمعها وتوخز مشاعرها بدون إحراج.
مغني الزمن الجميل كان يطرِب السامعين بصوته الشجي ولحنه الرنان وكلماته القوية، التي تؤجج المشاعر، لكن للأسف انقلبت الآية في زمننا وأصبح كل من هبّ ودبّ يحمل لقب مغنٍ. بلاوي وأقرانه من الفنانين الرساليين، نتذكرهم ونحن تحت طائلة صدمة الإفلاس والانحدار الذي أصاب الساحة الفنية في بلادنا، التي أضحت تخرّج أشباه فنانين، برتبة مجرمين، يتغنون بالمخدرات والخمور ويتباهون بدخول السجون، عبر كلمات هابطة تصدح بها حناجر تصرخ في الكباريهات لتقذف بهذه السموم إلى العائلات الجزائرية عبر أقراص مضغوطة تنسخ بدراهم معدودات، تحت شعار:”كل ممنوع مرغوب”. شتان بين هذه القامات وبين الشاب “فرشيطة” والشاب “سلاطة” و”فيفي المقلشة”..، أسماء غريبة وأشكال أغرب وكلمات منحطة وصراخ باسم الفن، هذا ما يريد أن يسوقه الدخلاء على الساحة الفنية للجمهور الجزائري.
هل يعقل أن يغني الفنان للمخدرات ويشجع على تعاطيها؟، أيُعقل أن يتباهى بشرب الخمور ويدعو إلى احتسائها؟ هل من المنطقي أن يفتخر بدخول السجن؟ هل من المعقول أن يروّج للشذوذ باسم الحرية الشخصية؟.
هؤلاء المغنون والمنتجون الذين تبنوا كوارثهم الغنائية، سلكوا نهج التجارة، على حساب رسالة الفن النبيلة؛ فعمدوا إلى مخاطبة الغرائز بطريقة حيوانية، عبر الإسفاف اللفظي والتركيز على لغة الجسد، والموسيقى الإيقاعية. والنتيجة أنّ كثيرا من الأطفال باتوا يردّدون أغاني خادشة للحياء تشجّع على الانحراف.
السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: أين دور الرقابة القبلية على ما يسوق من أغان ماجنة باسم الفن؟.
هذا الوضع الكارثي للساحة الفنية، تنبأ به الراحل بلاوي قبل عشرين سنة، وتوقعه قبله أحمد وهبي في رائعته “وهران رحتي خسارة”، عندما رجع بالذاكرة إلى الوراء؛ وبالتحديد إلى ساحة “الطحطاحة”، التي كانت إبّان الاحتلال الفرنسي وبعد الاستقلال ملتقى للشعراء والمغنيين، الذين كانوا يتوافدون عليها من كل ولايات القطر الوطني، قبل أن تتحول في أيامنا هذه إلى فضاء تنسخ فيه سيديهات الغناء الهابط !.
وهو ما استحضره في ما بعد جوهرة تلمسان الشاب أنور، في أغنية رثى فيها رحيل عميد الأغنية الوهرانية، أحمد وهبي، في تسعينيات القرن الماضي، قائلا:”
حزني عليك يا شيخ وهران..بدات العين تبكي وفتها قلبي..راح الفن معاك يا شيخ الأوطان”. وبالفعل تعفّن الفن، وفُسح المجال واسعا أمام مغني “الواي واي” و”الهاي هاي” لمخاطبة الشهوات والغرائز.