تلاميذ ينهون الفصل الدراسي بمجالس تأديب وضرب وغياب
أنهى تلاميذ بمدارس متفرقة عبر ولايات الوطن الفصل الأول من الدراسة على وقع مجالس تأديب طالت العديد من الأقسام في مختلف المستويات، كما تعرض العديد منهم إلى اعتداءات وضرب مبرح من قبل الأولياء، بسبب النتائج الكارثية التي حصلوا عليها في بعض المواد، وهو الأمر الذي يعدّ مؤشرا يعكس واقع التعليم في المدارس وتراجع العملية التعليمة والتربوية التي تقهقرت بشهادة مهنيين من الأسرة التربوية، دفع الأساتذة والتلاميذ إلى التغيب المتكرر والمبرر عن الدراسة، فبين شغب التلاميذ وتجرئهم على أساتذتهم وبين عدم قدرة بعض المعلمين على فرض الانضباط داخل القسم ضاعت قيمة العلم والمعلم.
غيابات بالجملة وسط التلاميذ والأساتذة..
بمجرد انتهاء اختبارات الفصل الأول وبداية عملية التصحيح داخل الأقسام، توالت الغيابات وسط التلاميذ وبعض الأساتذة الذين استبقوا إعلان نهاية الفصل الأوّل، وما شجّع أكثر التلاميذ على التغيّب هو تساهل الإدارة مع هذه السلوكات التي تحوّلت إلى ظاهرة مسيئة للوسط المدرسي.
ومقابل غيابات التلاميذ، سجلت أيضا غيابات مبررة لبعض الأساتذة الذين تخلّفوا عن الاستمرار في تقديم الدروس وهو ما بعث الانطباع بانتهاء السنة الدراسية.
مجالس تأديب وإصغاء بسبب انحراف السلوك
لم تمر عملية تسليم العلامات بردا وسلاما في كثير من الأقسام بالأخص المتوسط والثانوي، حيث تخللتها مشادة كلامية وشجارات بين بعض التلاميذ الذين تطاولوا على أساتذتهم، الأمر الذي تطوّر في بعض الأحيان إلى اعتداءات جسدية انتهت بتحويل مرتكبيها والمشاركين فيها والمحرضين عليها إلى مجالس تأديب وخلايا إصغاء.. وبالمقابل، تم إحالة بعض التلاميذ على خلايا إصغاء لتورطهم في أفعال غير أخلاقية وحالات أخرى في حالة تلبس بالتدخين، حيث تم على إثرها استدعاء الأولياء لإطلاعهم على ما بلغه أبناؤهم من انحراف سلوكي.
أولياء يعنّفون أبناءهم…
تعرّض العديد من التلاميذ إلى التعنيف والضرب المبرح من قبل أولياءهم بسبب ضعف علاماتهم في بعض المواد، حيث أعلنت حالة الطوارئ حيث لم يتقبل كثير منهم تقهقر مستوى أبنائهم، ما جعل الأبناء يدخلون في حالة هلع وخوف مستمر من المصير الذي ينتظرهم عند العودة إلى البيت بنقطة دون تطلّعات الأولياء وظنهم في أبنائهم.
وتتداول العديد من الصفحات عبر مواقع التواصل الاجتماعي صورا ومنشورات لتلاميذ أصيبوا بجروح وكدمات في أجسادهم نتيجة ما تلقوه من تعنيف جسدي، ناهيك عن وابل الذم والشتم الذي يمطرونهم به، وهي المنشورات التي تفاعل معها الملايين وانتقدوا سلوك الأولياء داعين إياهم إلى التعقل في التعامل مع النتائج الدراسية، فالتعثر ليس نهاية العالم ولكل تلميذ استعداداته وقدراته الخاصة، ومن غير الممكن أن يكون جميع التلاميذ عباقرة وممتازين.
شيهوب: انفلات أخلاقي خطير للتلاميذ في المدارس
وبخصوص هذه الظواهر الدخيلة على مجتمعنا أفاد بوجمعة شيهوب، رئيس المنظمة الجزائرية لأساتذة التربية، في تصريح لـ”الشروق”، بأن “الغياب المتكرر للتلاميذ والأساتذة سلوكات موجودة في بعض المتوسطات والثانويات تحديدا تعود إلى تمرد التلاميذ بعد الاختبارات على الأساتذة، خاصة أن اغلب العاملين في القطاع هم أستاذات أصبحن غير قادرات على التحكم في العدد الهائل للتلاميذ، بسبب الاكتظاظ والإدماج المدرسي لكل من هب ودب”.
وأضاف شيهوب قائلا: “أصبحت هذه السلوكات ظاهرة بعد أن كانت حالات معزولة، سببها الرئيسي تمرد التلاميذ بعد الاختبارات”.
وبرّر المتحدث الانحراف الكبير في سلوك التلاميذ بتخفيف الإجراءات التأديبية للتلاميذ بموجب أحد المناشير الوزارية الصادرة في عهد الوزيرة السابقة بن غبريط، الذي أثر سلبا على العملية التربوية وضبط التلاميذ في المدرسة، ما جعلهم يتمردون والأساتذة مكتوفو الأيدي في مثل هذا الوضع، مطالبا وزير التربية بمراجعته بما يفرض الانضباط ويعيد للمدرسة والأستاذ الهيبة والاحترام.
وقال شيهوب: “نلاحظ انحرافا أخلاقيا كبيرا في المؤسسات.. عدم احترام الأساتذة والتشويش وعدم الإنصات للدروس مع انتهاء الفصل الأول، ومن هنا حدث انفلات في المؤسسات وأصبح الأساتذة يتمنون انتهاء الفصل الأول مباشرة بعد تصحيح الاختبارات، ما جعل بعضهم يلجؤون إلى الغياب المبرر تحاشيا لتلك الظواهر والتمرد”.
ولتجنب هذه المظاهر رفعت المنظمة مطلبا إلى الوزارة لبرمجة الاختبارات قبل أسبوعين من العطلة فقط ليخصص بذلك أسبوع لإجراء الاختبار وأسبوع بعده للتصحيح، تفاديا لتلك الصعوبات التي قد يجدها الأساتذة في تقديم الدروس، إضافة إلى أن الأساتذة يضاعفون من مجهوداتهم في العمل فهم مكلفون في البيت بتصحيح أوراق الامتحانات وتحضير الدروس لتقديمها في الأسبوعين الأخيرين.
واستشهد المتحدث بحادثة خطيرة وقعت يوم الخميس الماضي بحي 7 آلاف مسكن بالدويرة أين تعرض أستاذ للضرب من قبل تلميذ أهانه، وقال في حقه كلاما قبيحا سمعه الجميع.. وهذا شيء رهيب وعجيب يحدث في مدارسنا.
تحسيس الأولياء بخطورة الوضع أوّل الحلول…
ويرى شيهوب بأنّ التحسيس من بين الآليات التي نتصدى بها لمثل هذه الظواهر التي دفعت التلاميذ للانحراف وعلى الأولياء المساهمة في أداء دورهم بما يجب للسيطرة على أبنائهم وكذا ضرورة مراجعة منشور الأسرة التربوية الذي يحد من العقوبات.
وأضاف المتحدث أنّ الأصل في التلميذ تمتعه بالحد الأدنى من الأخلاق الذي يسمح له بالتعامل مع زملائه التلاميذ والأساتذة داخل المؤسسة غير اننا للأسف الآن أصبحنا نرى أن التلاميذ لا يحوزون الحد الأدنى من الأخلاق والاحترام داخل المؤسسات، فهؤلاء مكانهم ليس في المدرسة وإنما في أقسام خاصة لتأهيل السلوك والأخلاق. وختم قائلا: “الأستاذ موجود لتقديم المعرفة وليس سجانا لتأهيل المنحرفين”.
قوراية: على الأستاذ والوليّ التعامل بذكاء مع نتائج التلاميذ
ودعا البروفيسور في علم النفس، أحمد قوراية، الى أهمية أن يفهم الأولياء وجود فروقات فردية بين التلاميذ، سواء في القدرة على الاستيعاب والتخزين في الذاكرة، أو على مستوى استرجاع المعلومات عند الحاجة، ويختلفون أيضا أثناء الاجابة على أسئلة الامتحانات، وهو ما جعل محدثنا، يشدد على ضرورة “عدم مُحاسبة الأستاذ للتلميذ أو الطالب ذي الفكر المحدود، ولا يحق للأولياء تعنيف أبنائهم، على نقطة متوسطة أو ضعيفة تحصلوا عليها خلال فصل دراسي، بل على الجميع التعامل مع أبنائهم، الذين تحصلوا على علامات متدنية برفق ولين، وتحفيزهم على العمل في الفصل الدراسي المقبل، من خلال وعدهم بجائزة مثلا”.
وأكد قوراية بأن كثيرا من التلاميذ “المعنفين” غادروا منازلهم إلى وجهة غير معلومة، بسبب كثرة التوبيخ الذي تلقوه، كما لا يجب مقارنتهم بالغير. وأضاف “على أولياء التلاميذ والمعلمين أن يكونوا حذرين، في مراعاة التلاميذ أصحاب المستوى الدراسي المتدني، بل يجب تشجيعهم للحصول على علامات جيدة في الفصل المقبل، بجمل تحفيزية، مثل أنت ذكي، وبإمكانك النجاح وبمعدل مرتفع. أي أن نشحن عقله الباطن بطاقة ايجابية “.
وتأسف المختص لتكرار ما وصفه بظاهرة “العنف المدرسي ضد التلاميذ كل سنة” التي عرفت حسبه “منحى تصاعديا يهدد كيان المدرسة الجزائرية”، داعيا إلى توظيف خبراء في علم النفس المدرسي لمراقبة أي تلميذ تظهر عليه علامات سلوكية غير سليمة.
كما تطرق قوراية إلى ظاهرة تغيب التلاميذ عن الأقسام، بمجرد انتهاء امتحانات الفصل الاول، وهذا سلوك خاطيء حسبه، وعلى الأستاذ إفهام التلاميذ بأن الفصل الدراسي ينتهي مع العطلة الشتوية أو الربيعية فقط.