-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

تمسّكوا بأصل الشّجرة

سلطان بركاني
  • 957
  • 0
تمسّكوا بأصل الشّجرة

مرّت سنوات متوالية، وأتباع السلفية المدخلية يدّعون جازمين (!) أنّ منهجم هو الترجمة العملية الصحيحة والوحيدة لكتاب الله وسنّة رسوله صلّى الله عليه وسلّم، ويقدّمون أنفسهم على أنّهم الممثّل الحصريّ والوحيد لمنهج السّلف، وبالتالي فهم وحدهم المخوّلون بالحكم على غيرهم من المسلمين وبيان من هم على الجادّة، ممّن هم في ضلال مبين! وما فتئوا -المداخلة- يلقّبون أنفسهم بـ”أهل السنّة والجماعة” وغيرهم بـ”أهل البدع والفرقة”! قبل أن تطفو خلافاتهم الدّاخلية على السّطح، ويتبيّن أنّ بينهم مثل ما صنع الحدّاد!

لعلّ من أعظم دلائل بُعد هذه السلفية المدخلية عن منهج الله، هذا الخلاف والصّراع الحاصل بين أتباعها، وهذه الرّدود التي لا تنقطع بين منظّريها.. لقد انقسمت هذه المدخلية إلى عشرات الجماعات، لكلّ جماعة منظّرها الذي تتعصّب له وتوالي وتعادي عليه.. كلّ طائفة منها تجزم بأنّ شيخها هو الأفقه وهو الأعلم، وأنّ كلّ من خالفوه لا يدانونه.. وحاق بهم ما أخبر الحبيب المصطفى -عليه الصّلاة والسّلام- أنّه حاصل في أمّة الإسلام حين قال: “يظهر الإسلام حتى تختلف التجار في البحر، (أي يكثر ذهابهم ومجيئهم في البحار للتّجارة)، وحتى تخوض الخيل في سبيل الله (أي يركب المسلمون البحر للغزو في سبيل الله)، ثم يظهر قوم يقرؤون القرآن يقولون: من أقرأ منا؟ من أعلم منا؟ من أفقه منا؟” ثم قال لأصحابه: “هل في أولئك خير؟” قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: “أولئك منكم من هذه الأمة، وأولئك هم وقود النار” (صحيح الترغيب والترهيب).

بسبب تسلّط السلفية المدخلية على أخيار الأمّة من العلماء والدّعاة والعاملين، وبسبب ولغها في أعراض أولياء الله، حاق بها قول الله تعالى: “من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب”، فألقيت بينهم العداوة وأصبح بأسهم بينهم شديدا، وانقسمت فرقتهم الناجية (!) إلى فرق يبدّع بعضها بعضا.. في السعودية هناك مدخلية ربيع المدخلي، ومدخلية محمد المدخلي، وفي الجزائر كانت الطائفة المدخلية تقوم على اثني عشر داعية سمّوا جماعة الإصلاح، قبل أن تنشطر إلى مدخلية الأربعة ضدّ مدخلية الثمانية، ثمّ إلى مدخلية فركوس ضدّ مدخلية سنيقرة وجمعة، صعافقة ضدّ مصعفقة، وواضحة ضدّ مغمغمة.. وليت الخلاف بينهم بقي محصورا في الكتابات والردود، بل قد تطوّر في الواقع إلى خصومات وصراعات وصلت إلى حدّ التشابك وإلى حدّ إسالة الدّماء، ووصل التعصّب والتشرذم بين المداخلة إلى درجة أنّ أحد دعاتهم المنتسبين إلى فركوس حرّم تزويج سلفي مدخلي بسلفية مدخلية حتى يبيّن الخاطب موقفه من الخلاف بين فركوس وجمعة وينحاز إلى أحد الطّرفين.. هذا ما فعله بعضهم ببعض! فكيف يفعلون بمن يختلف معهم ممن ليس من جماعتهم، لو أتيحت لهم الفرصة؟!

لقد ظلم المداخلة أمّة الإسلام ظلما بالغا، وشغلوا المسلمين بعضهم ببعض، وأعملوا سيف البغي في أعراض العلماء والدّعاة والمصلحين، فكان طبيعيا ومتوقّعا أن يتسلّط عليهم من يظلمهم ويسقيهم من ذات الكأس التي سقوا منها المصلحين؛ فها هم متعصّبة الصوفية من جهتهم يتداعون للردّ على المداخلة ويستنفرون أتباعهم لردّ الصّاع صاعين.. والمعضلة أنّ متعصّبة الصوفية أبوا إلا أن يقابلوا شنآن المداخلة بشنآن مثله أو أكبر منه حين أصرّوا على الانتصار للعقائد القبورية وعلى تبرير الاستغاثة بالأموات عند الأضرحة والمزارات، نكاية بالمداخلة والوهابيين! مخالفين الآيات المحكمة والصريحة في كتاب الله -جلّ وعلا- التي تحرّم الاستغاثة بالأموات وتجرّم فعل من يتّخذون الوسائط والشّفعاء بينهم وبين الله، مثل قوله تعالى: ﴿وَاللّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ * وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ * أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَاء وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُون﴾ (النّحل: 19- 21)، وقوله سبحانه: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ * إِن تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُوا دُعَاءكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ (فاطر: 13- 14).

مرّة أخرى.. لا نملك ونحن نتابع حيثيات هذه الحال المزرية التي آل إليها واقع السلفية المدخلية خاصّة، وواقع الطّوائف المتصارعة عامّة، إلا أن نوصي شباب هذا البلد خاصّة بالحذر من الانتساب والانتماء والتعصّب لهذه الطّوائف وهذه الحزبيات.. كونوا -يا شبابنا- مسلمين على الفطرة التي فطر الله عليها عباده المسلمين، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُون﴾، كونوا على ملّة الإسلام التي كان عليها النبيّ -صلّى الله عليه وآله وسلّم- وصحبه قبل ظهور هذه الجماعات والحزبيات، واجعلوا نصب أعينكم حديث وصيّة النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- لأمّته عند ظهور الاختلاف والافتراق: “اعتزل تلك الفرق كلّها، ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت كذلك”.. حافظوا على فرائض دينكم، وتقرّبوا إلى الله بما تيسّر لكم من نوافل العبادات.. الزموا حدود الله، واجعلوا بينكم وبين المحرّمات حاجزا واحذروا خطوات الشّيطان، ومن أخطأ منكم فليتب من قريب.. وطّنوا أنفسكم على سلامة القلوب لعباد الله المؤمنين، وادعوا دائما وأبدا بهذا الدّعاء: ربّنا ﴿لَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾.. احملوا همّ دينكم، وانصروا نبيّكم الذي يسيء إليه أراذل الخلق وأحيوا سنّته وأخلاقه، واهتمّوا بأمر أمّة الإسلام واحزنوا لما يحيق بإخوانكم المسلمين وادعوا لهم الله بالفرج والنّصر.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!