-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

“تنزروفت” وتجربة السجون عالية التأمين في الجزائر

“تنزروفت” وتجربة السجون عالية التأمين في الجزائر

تقرر مؤخرا في اجتماع المجلس الأعلى للأمن تحويل ثكنة عسكرية في “تنزروفت” في أقصى الجنوب الغربي بين أدرار وبرج باجي مختار في اتجاه “تيمياوين” إلى سجن لبارونات المخدرات ومروّجيها الذين عاثوا في البلاد فسادا وأغرقوها بمختلف السموم التي يتعاطاها الشباب على وجه الخصوص، بعد أن أوقعهم مجرمون في شباكهم ممن لا يراعون القيم ويستمرئون الاحتيال، وتستهويهم جاذبية المال غير مبالين بما يقترفون من مفاسد لا تخطر على بال.
سجن “تنزروفت” سيكون على شاكلة السجون العالمية عالية التأمين المخصصة للمجرمين الأكثر خطورة على الأمن القومي، وتتميز هذه السجون باعتمادها على نظام العزلة الكاملة والمزودة بأحدث الأجهزة التكنولوجية المتقدمة التي تمنع أي محاولة هروب محتملة.
قد يرى البعض أن هذا القرار سيفقد فاعليته في الميدان وسيكون سجن “تنزروفت” سجنا عاديا لا يميزه من بقية السجون إلا الطبيعة القاسية التي يوجد بها في صحراء توصف بأنها صحراء العطش أو صحراء الموت أو أرض الرعب التي لا يقطنها في الغالب إلا من اعتاد عليها من أهلها والعارفين بشعابها، أو من وُجدوا لحماية الثغور من حرس الحدود وأفراد الجيش الوطني الشعبي الذين يكابدون الظروف القاسية حبا لوطنهم وحماية له ضد كل المتربصين.

الجزاء من جنس العمل
حري بالجمعيات التي تدعي الدفاع عن حقوق الإنسان أن تدرك أن من تستميت في الدفاع عنهم مجرمون محترفون معروفون بخروجهم عن القانون وسعيهم لتدمير الإنسان وتدمير طاقاته الحيوية بما يعرِّض أمننا القومي للخطر مع ما يُحدثونه من إرباك في النسيج الاجتماعي. عن أي حقوق إنسان تتحدث هذه الجمعيات، والذين تنبري للدفاع عنهم قد انسلخوا من كل القيم الإنسانية وأصبح المال غايتهم الأولى والأخيرة غير مكترثين بما ينجر عن هذا السلوك الإجرامي من خطر جسيم وشر مستطير؟.

إن قاعدة “الجزاء من جنس العمل”، قاعدة أخلاقية رفيعة تمثل قمة العدالة، فمن تكررت مفاسده لا جزاء له إلا من جنس ما ارتكب من مفاسد وما اقترف من جرائم. إن الإنسان الذي أمعن في الجريمة لا جزاء له إلا أن يوضع في سجن معزول ليذوق من الكأس نفسها وليناله من البأس ما يكافئ البؤس النفسي الذي سبّبه لكثيرين ولينال من العقاب بمقدار ما أحدثه من فساد.

إن قاعدة “الجزاء من جنس العمل”، قاعدة أخلاقية رفيعة تمثل قمة العدالة، فمن تكررت مفاسده لا جزاء له إلا من جنس ما ارتكب من مفاسد وما اقترف من جرائم. إن الإنسان الذي أمعن في الجريمة لا جزاء له إلا أن يوضع في سجن معزول ليذوق من الكأس نفسها وليناله من البأس ما يكافىء البؤس النفسي الذي سبّبه لكثيرين ولينال من العقاب بمقدار ما أحدثه من فساد.

ضربة موجعة لبارونات المخدرات
قد لا يعجب بعضَ المهوِّنين من جهود الدولة الجزائرية في مكافحة الجريمة القولُ إن سجن تنزروفت سبقٌ أمني مع أن كل المعطيات والشهادات تؤكد ذلك، فلم يسبق في تاريخ الجزائر منذ الاستقلال تخصيص سجن بهذه المواصفات لبارونات ومجرمي المخدرات، ربما لم تتهيأ الظروف في السابق ولكن الحرص الذي تبديه السلطة الحالية في مكافحة الجريمة والحد من انتشارها هو الذي كان وراء هذا القرار التاريخي الذي من شأنه أن يعمل على تجفيف منابع الجريمة وتفكيك معاقلها وتخليص المجتمع الجزائري من سمومها.
لقد تعلمنا أن نقول للمحسن أحسنت وللمسيء أسأت، ومما يقتضيه هذا المبدأ، تثمين القرارات التي تصبُّ في المصلحة الوطنية وتستهدف أوكار الجريمة المنظمة ومنها جرائم المخدرات التي انتشرت رغم جهود مكافحتها من مختلف أسلاك الأمن والجيش انتشارا رهيبا يجعل اتخاذ هذا القرار إجراء استعجاليا لا يقبل التأخير.
إن استحداث سجن بمواصفات أمنية عالية وعالمية في “تنزروفت” يمثل ضربة موجعة لبارونات المخدرات الذين سيدركون أن ساعة الحساب قد دقت وأن عليهم أن يستعدوا ليوم أشد ينالهم فيه من العقاب بقدر ما أحدثوه من فساد في المجتمع.

سجون عالمية عالية التأمين
من أهم هذه السجون “سجن إدي إكس فلورنس الذي يقع في ولاية “كولورادو”، وهو السجن الفدرالي الوحيد ذو التأمين العالي في الولايات المتحدة الأمريكية، ويمتاز بآلية حراسة مشددة وزنازين انفرادية مصنوعة من الخرسانة المسلحة العصية على الاختراق بما في ذلك الطاولات والأسرَّة والمقاعد لمنع أي استخدام محتمَل للمرافق من الحديد أو الخشب في محاولة هروب أو اعتداء على الحراس أو عمليات انتحار أو ما شابهها. والسجن مزوَّدٌ -علاوة على ذلك- بكاميرات مراقبة دقيقة وعالية الجودة وببرج مراقبة مسيَّج بأسلاك شائكة وكواشف الحركة، وقد ضم هذا السجن كبار المجرمين وزعماء العصابات الإجرامية مثل “إل شابو”.
ومن أهم هذه السجون أيضا، سجن “الدلفين الأسود” في روسيا، ويقع بالقرب من الحدود مع كازخستان، وهو ذو حراسة مشددة، ويتميز بأقصى الإجراءات والمعاملات.
إن ذكر هذه السجون عالية التأمين، لا يعني جعلها في سلة واحدة، فلكل سجن خصوصياته تبعا لخصوصية البلد الذي يوجد فيه، فسجن “تنزروفت” جزائري وسيحتكم إلى مبادئ التشريع الجنائي الجزائري من غير تفريط في المبادئ الجنائية والحقوقية المشتركة التي وقَّعت عليها الجزائر وتعهّدت بتطبيقها في هذه السجون وفي غيرها.

آلية ردع لتصحيح الوضع
إن الردع الشديد هو الكفيل بقطع دابر الجريمة ومنها جرائم المخدرات، فكلما ازداد الردع تقلصت دائرة الجرائم وقلّ مرتكبوها والعكس صحيح، كلما قلّ الردع اتسعت دائرة الجرائم وأغرت مرتكبيها بالتفكير في أشكال إجرامية أخرى.
إن الردع لا ينفي حملات التوعية المجتمعية التي يقوم بها الأمنيون والأطباء المتخصصو ، فالردع اللازم مع التوعية اللازمة كفيلان بقطع دابر الجريمة وبالقضاء في مرحلة لاحقة على جرائم المخدرات التي أرهقت المجتمعات وأعيت أكبر الدول والمجتمعات.
إن الوضع العالمي رغم الجهود المبذولة في مكافحة المخدرات يمتاز بشيء من الليونة وقلة الصرامة في بعض الأحيان، وهذا راجع في بعض الأحيان إلى تدخل بعض المنظمات الحقوقية، وتعمل الجزائر وفق مقاربتها الجنائية الجديدة التي جرى إقرارها في المجلس الأعلى للأمن على تجاوز هذا الوضع وممارسة القبضة الحديدية ضد بارونات ومجرمي المخدرات، ومما سيعطي زخما وفعالية لهذه الممارسة التي هي من قبيل الصرامة في الحق، قرار المجلس الأعلى للأمن إنشاء هيئة أمنية متخصصة في مكافحة المخدرات التي ستعضد جهود العاملين في هذا المجال من مختلف فرقنا الأمنية.
إن تضافر الجهود سيؤدي حتما إلى تضييق الخناق على بارونات المخدرات وستؤتي هذه الجهود أكلها في القريب العاجل وإن يوما لناظره قريب.

ضرورة زيادة الحس المدني:
لا يمكن لجهود الدولة مهما علا سقفُها أن تؤدي إلى القضاء على المخدرات إذا لم تعضد هذه الجهود بزيادة الحس المدني، الذي يتمثل خصوصا في ضرورة رفع مستوى التعبئة المجتمعية ضد المخدرات وضد كل من يمس بأمننا القومي، ومن مقتضيات هذه التعبئة المجتمعية في المقام الأول نشر ثقافة التبليغ عن كل جريمة تستهدف الأمة أو تستهدف أمنها القومي.
إن دور الحس المدني في مكافحة جرائم المخدرات أكبر مما يتصوره أصحاب النظارات السوداء والرؤية الضيقة، إنه دور حساس في وضع عالمي شديد الحساسية، تحفُّنا فيه مخاطر جسيمة لا سبيل لمواجهتها إلا بجهد وطني موحد، ففي الاتحاد قوة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!