تنسيقية الانتقال الديمقراطي تتجاهل “واقعة” احتجاج الشرطة
لم تسجل تنسيقية الحريات والانتقال الديمقراطي أي موقف موحد، إزاء “واقعة” احتجاجات الشرطة، واكتفت أطراف التنسيقية، ببيانات وتصريحات فردية حملت قراءات مختلفة لهذه الحركة الاحتجاجية غير المسبوقة في تاريخ الجزائر، ولم تشر التنسيقية في بيانها الختامي لاجتماعها، الجمعة، بمقر حركة النهضة، لهذا الحدث، مجددة فقط مواقفها المتعلقة بمواصلة الضغط على السلطة وحملها على تقديم تنازلات في اطار مسعى الانتقال الديمقراطي.
وبلغة السياسة، لم تستثمر التنسيقية المتموقعة في الخط الأمامي للمعارضة، في التظاهر المفاجئ لأعوان وحتى ضباط الوحدات الجمهورية للأمن، المعروفة باسم “وحدات التدخل السريع”، ولم تبرز هذه القوة السياسية المعارضة في البلاد بقراءة وموقف موحد، تعزز به رصيدها السياسي، واستغلال ذلك في حمل السلطة على تنازلات.
وعلى غير المتوقع خرجت التشكيلات السياسية الخمس المؤسسة لتنسيقية الانتقال الديمقراطي (حركة مجتمع السلم، وحزب الجيل الجديد، وحركة النهضة، والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية، وجبهة العدالة والتنمية) بمواقف منفردة، ومتباينة المضمون.
فمن جانبها اعتبرت حركة مجتمع السلم، في بيان لها، مطالب الشرطة المرفوعة في احتجاجات غرداية ثم في الجزائر العاصمة وولايات أخرى عبر التراب الوطني، بـ”المشروعة”، واستغلت “حمس” خروج أعوان الأمن للتظاهر وتنظيم مسيرات، في مطالبة السلطة بالترخيص والسماح لباقي الأسلاك والفئات الاجتماعية بالاحتجاج والتظاهر السلمي”. وأرجعت الحركة أسباب خروج أعوان حفظ النظام العام للشارع، وخرقهم لإجراءات حظر التجمهر والاحتجاج وتنظيم المسيرات لاسيما في ولاية الجزائر العاصمة، إلى “حالة الترهل والتحلل واستشراء الفساد والصراع الخفي داخل أجهزة النظام السياسي”.
ورأى الحزب الإسلامي الآخر الشريك في التنسيقية(حركة النهضة) في البيان الختامي لاجتماع مكتبه الوطني نهاية الأسبوع الماضي، أن احتجاج الشرطة ما هو إلا انعكاس للصراع الدائر على السلطة داخل أجهزة السلطة، محذرا من أي توظيف “لهذه الهيئة النظامية” و”الزج بها في الصراعات السياسية”.
وعبر محسن بلعباس رئيس حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية(الطرف الآخر في التنسيقية) عن موقف الحزب من ثورة الشرطة وخروجها للتظاهر في الشوارع وأمام قصر الحكومة وقصر الرئاسة، قائلا في كلمة ألقاها خلال فعاليات الجامعة الصيفية المنعقدة نهاية الأسبوع الماضي في بجاية “إن مطالب الشرطة شرعية لكن إخلاء المواقع الحساسة مثل السفارات والقنصليات والملاعب يحمل أضرارا كبيرة للجزائر، ويرهن مستقبل الأجيال القادمة”.
واعتبر الاستجابة السريعة للسلطة لمطالب الشرطة، دليلا على أن “الحكم دخل في هيستيريا وليس له المجال للاختيار، وهو ما يثبت، حسبه، أن هناك فعلا فراغ في أعلى هرم السلطة، وانسداد في مؤسسات الدولة”.
وعلق جيلالي سفيان رئيس حزب “الجيل الجديد” على الواقعة قائلا في تصريحات إعلامية” هذه المرة الأولى التي تخرج فيها الشرطة في احتجاجات، والرئيس بوتفليقة غائب عن الأنظار، وقد سبق أن قلنا قبل الانتخابات الرئاسية الأخيرة بأن بوتفليقة سيعود إلى بيته، ويترك البلاد في فوضى، وها نحن قد وصلنا إلى ما حذرنا منه”.
وقال رئيس جبهة العدالة والتنمية عبد الله جاب الله في ردود إعلامية على انتفاضة أعوان الأمن ” إن احتجاج الشرطة دليلا آخر يضاف إلى سلسلة الأدلة التي تثبت بلوغ مستوى الفساد ذروته وتمكّنه من كافة أجهزة الدولة، وانتشار مظاهر الاستبداد والاستغلال حتى أضحى العناصر المكلفون بأمن العباد والبلاد يحتجون ويطالبون بمشاكلهم”.
ويسجل جاب الله موقفه خارج إطار تنسيقية الانتقال الديمقراطي معتبرا أيضا احتجاج رجال الشرطة دليلا على شغور السلطة في البلاد، ودليل ثان على وجود مستوى من الوعي في أجهزة دولة ودوائر حكم.
ويبدو أن أطراف التنسيقية، لم تلتقي على مسألة احتجاج أعوان حفظ النظام العام، ومناقشة الوضع، وتسجيل موقف موحد، كما سبق لها العمل، منذ تأسيسها، وبذلك تكون قد أضاعت فرصة ثمينة، في تعزيز رصيدها بحجج وأدلة إخفاق منظومة الحكم القائمة في البلاد.
ولم يحمل بيان التنسيقية، الصادر، الجمعة، في أعقاب الاجتماع المنعقد بمقر حركة النهضة، أية إشارة مباشرة، لاحتجاج الشرطة، ولا حتى التعليق عليه، واقتصر البيان على تجديد موقف التنسيقية المعارض بالكامل لنهج السلطة، والمتمسك بمطلب التغيير السلمي، للنظام.