تهديد الهُوية.. وشباب عدم الانتماء!
هناك غرابة حقيقية في تفسير السلوك الجزائري إن كان في التعامل مع المسائل السياسية أو أثناء العلاقات الاجتماعية بين الأفراد. والمشكلة الأكثر خطورة والتي ينبغي الانتباه إليها هي انعكاس هذا السلوك على أطفالنا، جيل الغد الذي سيكون مسؤولا عن استمرارية بقاء هذا البلد، قبل أن يكون كجغرافيا وكإقليم، كتاريخ وكدور وكحضارة، إذا كان بإمكاننا التطلع إلى هذا المستوى من الوجود.
استوقفني قول أحد الشباب، أننا مجتمع بلا هوية، أن بلدنا اليوم لا يمتلك تراثا خاصا به ولا قيما تحكمه ولا عناصر حضارة. نحن عبارة عن طريق، لم تستقر به الحضارة يوما ولم نكن أبدا من منشئيها، فما بالك أن نكون من ناشريها في محيطنا القريب أو البعيد. منذ التاريخ القديم ونحن نستقبل الوافد بعد الآخر، نصدُّه أحيانا ونتبناه أخرى، من الرومان إلى المسيحيين إلى المسلمين إلى الأتراك والفرنسيين. لم نكن نحن منبع الثقافة السائدة بيننا اليوم بمختلف تجلياتها، بل مستقبلين ومتبنين لها، وآخرها ضمن الترتيب الكرونولوجي للأحداث الثقافة الفرنسية بكل مكوناتها اللغوية والقيمية والسياسية التي مازالت تحكمنا إلى اليوم.
ينبغي أن ندرك أن الهُوية ليست فقط اللغة ولا التاريخ ولا الثقافة أو مظاهرها، إنما ذلك الشعور بالذات وبالكينونة، تلك القناعة بمَن نكون وذلك الاعتزاز بأننا أصلاء لا دخلاء، بأن لنا دورا وفعلا في التاريخ، لا محطة استقبال أو مجال عبور.
وهذا الذي يفسر في نظر محدثي ذلك اللاّموقف من التطورات وتلك السلبية الكبيرة في اتباع أطروحات متناقضة أحيانا لا تفصل بينها سوى فترات وجيزة، إن في الجوانب السياسية (أحادية، تعددية) او الاقتصادية (اشتراكية رأسمالية) أو الاجتماعية ـ الثقافية (شعبية ـ طبقية)… الخ، وهو الذي انعكس على مختلف سياساتنا وساهم في بروز نوع من القادة تتوفر لديهم شروط “المطابقة” مع هذه الحقيقة، وسيساهم أكثر في المستقبل في ذلك. وهو ما أصبح يدركه شركاؤنا ويتعاملون معنا على أساسه.
ولم أجد ما أُقنع به نفسي قبل أن أقنع مُحدّثي تجاه هذه الحقيقة، سوى أن أُسَجل أن مثل هذه القناعات، تُعَد أخطر ما أوصلنا إليه تسيير المجتمع في الخمسين سنة الماضية من غير رؤية واضحة، وأخطر التهديدات التي ستطالنا في المستقبل، قبل التهديدين الأمني والاقتصادي، وذلك ما ينبغي أن نقف عنده، أي تهديد الهُوية.
وفي هذا المجال، ينبغي أن ندرك أن الهُوية ليست فقط اللغة ولا التاريخ ولا الثقافة أو مظاهرها، إنما ذلك الشعور بالذات وبالكينونة، تلك القناعة بمَن نكون وذلك الاعتزاز بأننا أصلاء لا دخلاء، بأن لنا دورا وفعلا في التاريخ، لا محطة استقبال أو مجال عبور كما قال مُحدثي… وهنا بالذات تبدو مشكلتنا الأساسية كنتاج لسياساتنا المختلفة في هذا المجال، لا ُنقيم لها وزنا في كثير من الأحيان ويوليها الأجنبي كل الاهتمام.
لِمَ يسد لدى الأمريكي اعتزازٌ بأمريكيته رغم أن تاريخ دولته لا يزيد عن قرنين ونيف من الزمن؟ ولِمَ لا نستطيع أن نشك في أن الفرنسي إنما هو تجسيد لثقافة وتاريخ وهوية مُحدَّدة، لا يقبل أن يكون أمريكيا أو انجليزيا أو ألمانيا أو أن يحمل هوية غير هويته؟ ولِمَ نر ذلك في التركي والإيراني والهندي وغيرها من الهويات… في حين لا نكاد نجد الهوية الجزائرية التي توحِّدنا وتشكل تلك الأرضية المشتركة التي تجمعنا ولا نختلف بشأنها؟
يبدو أن جذور المشكلة تعود إلى طبيعة الخيارات السياسية في مجال تعزيز الهُوية الوطنية غداة استعادة السيادة والاستقلال. منذ تلك الفترة لم نُوَفَّق في إعادة بناء شخصية الفرد الجزائري وفق عناصر هويته الحقيقة. لم نتمكن من إيجاد ذلك الرابط الموضوعي بين تلك الجذور الأمازيغية الضاربة في القدم للشعب الجزائري وذلك الاعتناق الذي لا شك فيه للدين الإسلامي، وتلك اللغة العربية التي أصبحت أحد أشكال التعبير السائدة في المجتمع… فضلا عن أننا لم نتمكن من إيجاد ذلك الرابط بين الدور الحضاري الذي لعبه يوغرطة وذلك الذي قام به طارق بن زياد أو قامت به الدولة الفاطمية أو نقله إلى العالم أبطالُ ثورة التحرير.. وأمام هذا العجز في إيجاد التوليفة المناسبة بين هذه المكونات الثلاثة، وهذه الأدوار الحضارية الكبرى، وأحيانا أمام تعنت سلطة سياسية رفضت إلى حد قريب الاعتراف باللغة الأمازيغية لغة وطنية ورسمية للجزائيين، وغطَّت على التاريخ القديم للجزائر، تمكنت الثقافة الفرنسية من التجذر، ومِن أن تُصبح بلغتها العامل المشترك بيننا، الأمر الذي عمّق مشكلة الهوية، وكاد يودي بنا إلى الانهيار في تسعينيات القرن الماضي.
وبدل أن يتم إدراك طبيعة المشكلة ويُشرَع في رسم إستراتيجية بعيدة المدى لتعزيز نموذج فعّال للهوية الوطنية، خاصة بعد أن تم إعادة الاعتبار للأمازيغية، شُرٍع بقدرة قادر في فتح باب اختلاف جديد من خلال ملف التربية الإسلامية في المنظومة التربوية وكأنها لم تُدرَّس قبل اليوم أو لم يُفصل فيها قبل اليوم، وكأنه علينا أن نَبقى نبحث عن عناصر هويتنا بلا جدوى، عندما تحضُر العربية تغيب الأمازيغية وعندما يشرعان في الحضور معا، تغيب الثقافة الإسلامية.
وفي المقابل تستمر مقومات الثقافة الفرنسية ثابتة، ويستمر التطلع إلى النموذج الفرنسي كبديل يُمكِنه إيجاد جامع بين جزائريين فاقدين للهوية أو متصارعين فيما بينهم حول طبيعتها.
ولعل هذا الواقع هو الذي أصبح يشكل لدينا اليوم شعورا بـ”عدم الانتماء” وبالأخص لدى شبابنا، بالاستعداد للانتقال من ثقافة إلى أخرى (بلا مشكلة)، وبالاستعداد لأن نكون أفرادا بلا مواقف ثقافية، أفرادا بلا مواقف سياسية تبعا لذلك، أي بلا قدرة على التمايز عن الآخرين والدفاع عن هذا التمايز.
وهذه مسألة ليست فقط محصورة ضمن مشكلات الحاضر، بل هي في الواقع ممتدة إلى المستقبل، بل لعلها هي مَن ستصنع المستقبل، وعلينا الانتباه إلى ذلك مع الجيل الصاعد من أبنائنا.
إن البعض اليوم يسعى إلى أن يكرس لديهم ثقافة اللّاهُوية، أو ثقافة تعدد الهويات المتصارعة داخل المجتمع الواحد التي عادة ما تختزل في الصراع بين اللغات، وهذا إن بدا في الظروف الراهنة في شكل شعور بالفراغ “الهوياتي”، فإنه سيتحول في الأمد القريب إلى شعور بالفراغ “المؤسساتي”، بعدم الإحساس بوجود الدولة وبالاقتناع بأننا تاريخيا لم نكن دولة وعلينا أن نبحث عن ذلك إما في دولة أكبر ننتمي إليها، أو في صناعة دويلات صغرى تُمكِّننا من حصر مجال الهوية لديها.
وباعتبار البديل الأول صَعْبَ المنال، إذ يمنع الدين كاتجاه ثقيل، الانتماء إلى إطار حضاري آخر غير إطار الحضارة الإسلامية، كأن نتحوَّل إلى جزء من أوروبا الرومانية المسيحية، فإن كل المراهنة ستكون في المستقبل على البديل الثاني: إنشاء هُويات محلية تحمل معها بذور الصراع كما يريدها المشروع التفتيتي للمنطقة في حالة استحالة الإدماج، أو انتصار خيار المشروع الحضاري البديل (التكامل في إطار التنوع).
وهكذا تتضح لنا بعض العوامل المفسِّرة للتناقضات المختلفة لسلوك الفرد الجزائري، باعتبارها إشارات حاملة للمستقبل ينبغي الانتباه إليها.
وما قاله محدثي سوى إشارة قوية ينبغي أخذُها بعين الاعتبار في هذا المجال، إذ ليس كل ما قاله خطأ حتى وإن كان بعضه نتيجة صناعة قامت بها مخابر تعمل ليلا نهارا لتزييف الوعي والتلاعب بالهوية وإعادة تشكيل الانسان ضمن حرب غير معلنة ولكنها حقيقية، هي حرب العقول القادمة.
إننا يمكن أن نقرأ المستقبل من خلال سلوك شبابنا اليوم، ومن خلال ما نراه من تصرفاتهم؛ إن في الجانب السياسي أو الاجتماعي، التي تحمل أكثر من دلالة، أكثر مما عبَّر لي عنه محدثي، بكل ما يُمثل ذلك من مخاطر تفوق في تبعاتها، تلك المخاطر الاقتصادية والأمنية والسياسية التي نعرفها اليوم.