ثروة مهدرة… مليار طن من طمي السدود تتحول إلى نفايات
تسعى الدولة الجزائرية، من خلال قراراتها وتشريعاتها، إلى خلق مشاريع صديقة للبيئة تقلص الانبعاثات الملوثة الصادرة عن المصانع، خصوصا تلك التي تعتمد على الأتربة كمواد أولية في إنتاج الآجر والبلاط والإسمنت والرخام، حيث باتت اليوم هذه المصانع مطالبة أكثر من أي وقت مضى باستخدام تجهيزات تحد من الانبعاثات الضارة أو اللجوء إلى مواد أولية بديلة .
ويرى مختصون أن استخدام المصانع لمواد أولية صديقة للبيئة، يكون أحسن خيار بدل الاعتماد على الأتربة والنفايات المستخرجة من المحاجر والمرامل، خاصة أن عددا من هذه المصانع تطرح ملوثات في أثناء التصنيع .
وقد ظهرت في السنوات الأخيرة أبحاث أكاديمية وتجارب علمية بيّنت الأثر الايجابي لاستخدام الطمي المستخرج من السدود في صناعة الإسمنت والآجر… فإضافة إلى فائدته البيئية، يتيح هذا الخيار على توفير مساحات تخزين مائية هامة للشرب والري، ويجنب في الوقت نفسه اللجوء إلى توسيع نشاط المحاجر واستعمال المتفجرات وما يرافق ذلك من تدهور بيئي .
وفي إطار إعدادنا لروبورتاج حول استخدام مواد أولية صديقة للبيئة في قطاع الصناعة، اخترنا “مادة الطمي المستخرجة من السدود” كنموذج، حيث كان لنا اتصال بالدكتورة “معروف فضيلة” رئيسة قسم الهندسة المدنية بكلية العلوم والتكنولوجيا بجامعة عين تيموشنت، صاحبة بحث في هذا المجال .
محدثتنا أكدت أن موضوع استخدام الطمي في صناعة الآجر والإسمنت كان محل أطروحة دكتوراه سنة 2018، حيث اعتمدت التجارب على طمي سد بوحنيفية، مستندة على دراسات سابقة أشرف عليها أساتذتها الدكاترة “سميشة عبد العزيز” و”كازي أول فتيحة” و”ميكارتة بلقاسم” من المدرسة الوطنية متعددة التقنيات لوهران .
خيار بيئي بامتياز
وأضافت الدكتورة “معروف فضيلة”، أن سنة 2021 شهدت إمضاء اتفاقية بين جامعة عين تيموشنت ومصنع “لافارج” للإسمنت بعقاز في معسكر، من أجل الشروع في تجارب مخبرية، لاستغلال الطمي المستخرج من عدة سدود، منها سدا بوحنيفية وفرقوق بولاية معسكر، وقد أظهرت النتائج، أن استعماله كمادة أولية في صناعة الإسمنت يحقق مزايا بيئية إيجابية، خاصة ما تعلق بالحفاظ على حوض السد وقدرته الاستيعابية.
وذكرت الأستاذة معروف أن “نتائج التحاليل التي أجريت بالجامعة، جاءت مطابقة لنتائج مخبر مصنع عقاز للإسمنت التابع لـ “هولسيم الجزائر”، سواء من حيث جودة المنتج، أو من حيث قدرته على التقليل من انبعاثات الغبار وخفض نسبة ثاني أكسيد الكربون، ناهيك عن مساهمته في تقليل اللجوء للمحاجر واستعمال المتفجرات وما يترتب عنه من أضرار بيئية وصحية”.
ودعت رئيسة قسم الهندسة، مصالح أملاك الدولة والبيئة، إلى منح التراخيص اللازمة لمصانع الإسمنت والآجر لاستغلال الطمي المستخرج من السدود كمادة أولية في الإنتاج، بعد توقف العملية عند حدود التجارب، رغم إعطاء نتائج إيجابية متطابقة، مشيرة إلى أن كميات كبيرة من الطمي ترمي في محيط السدود أو في أراض خاصة، في وقت تتوفر فيه الجزائر على 81 سدا مغمورا بحوالي مليار طن من الطمي، حسب إحصائيات رسمية نقلتها عن المدير العام للوكالة الوطنية للسدود والتحويلات.
مصانع الأجر والإسمنت تبدي اهتمامها
وأبدى عدد من ملاك ومديري مصانع الإسمنت والآجر رغبة كبيرة في استغلال الطمي كمادة أولية لعدة عوامل نظرا لفوائده البيئية والاقتصادية.
وفي هذا الإطار، اتصلت جريدة الشروق بعدد من المسيرين فكانت البداية من مصنع الإسمنت لعقاز بولاية معسكر التابع “هوسليم الجزائر”، حيث تحدثت السيدة “كريمة فريحة” مديرة نشاط “جيوسيكل” بالمجمع، عن العمل في إطار تنشيط الاقتصاد التدويري، حيث جرى التنسيق مع جامعة عين تيموشنت، لدراسة خصائص الطمي، إذ أبانت التحاليل عن نتائج إيجابية، شجعت المصنع على إجراء تجارب صناعية باستخدام 300 ألف طن من الطمي المستخرج من سدود بوحينيفة وفرقوق ومسيلة، حيث أكدت النتائج صحة التحاليل المخبرية .
وأضافت السيدة فريحة، أن كمية الطمي المتراكمة على مستوى السدود في الجزائر يمكن أن تتحول إلى ثروة مهمة لو تم استغلالها، غير أنها تبقى مرمية دون استعمال، مشيرة إلى أن استخدام هذه المادة يساهم في تخليص الوكالة الوطنية للسدود والتحويلات من كميات الطمي التي تشغل مساحات هامة حول السدود والأراضي المجاورة، ويوفر احتياطا مائيا، بالحفاظ على حوض السد، وفي الوقت نفسه، يسمح بالحصول على مادة أولية غير متجددة بديلة عن تراب المحاجر وتمكن المصنع من إنتاج إسمنت بيئي .
وأكدت أن المشروع الابتكاري توقف عند مرحلة التجارب، بسبب غياب ترخيص إداري يسمح باستغلال الطمي، داعية السلطات إلى الدفع بالمشروع نحو الأمام، حتى لا تبقى التجربة حبيسة الأدراج .
كما أكد “عرابي بن عبد القادر” مدير الجودة ب”هولسيم الجزائر”، تطابق النتائج المسجلة في مخابر المصنع وجامعة عين تموشنت، مبرزا أهمية استخدام طمي السدود في رفع قدرات تخزينها، والتخلص من النفايات التي يمكن استرجاعها، والمحافظة على الثروات الطبيعية، من خلال اعتمادها كبديل عن المحاجر أو التقليل من اللجوء إليها .
وفي سياق هذا العمل الإعلامي، تحدثنا إلى السيد “بوخليف أمين” مسير مصنع الآجر ببلدية حسين في ولاية معسكر، الذي أكد وجود توجه لدى بعض المصانع لاستعمال طمي السدود في الإنتاج، مضيفا بأن المؤسسة التي يشرف عليها يمكنها اعتماد هذه المادة بناء على النتائج العلمية والتجارب الصناعية المنجزة.
مورد قابل للتدوير والتسويق
كما كان لنا لقاء مع “الطيب عبد العزيز” مدير الري لولاية معسكر، الذي أوضح أن الطمي المستخرج في إطار مشاريع عمومية يمكن بيعه وفقا للإجراءات القانونية المعمول بها، وغالبا ما يتم ذلك عبر مديرية أملاك الدولة، مشيرا إلى أن بعض مصانع الإسمنت تقدمت بطلبات في هذا الخصوص .
وفي اتصال هاتفي مع مديرة البيئة لولاية معسكر، أكدت السيدة “الزهرة زهراوي”، أن الطمي المستخرج من السدود يعتبر من النفايات الخاصة القابلة للتدوير والتثمين والبيع، وفق الأطر القانونية، عن طريق مديرية أملاك الدولة.
وأضافت أن عدة سدود بالولاية تعرف حاليا عمليات سلت واستخراج ملايين الأمتار المكعبة من الطمي، غير أن غياب السند القانوني الذي يحدد طريقة التصرف في هذه النفايات يجعلها عرضة للإتلاف .
وذكرت أن اجتماعا عقد قبل أشهر على مستوى وزارة البيئة لدراسة إمكانية إيجاد صيغة قانونية لاستغلال الطمي، غير أن المسألة تبقى مرتبطة بإجراءات تخص مصالح أملاك الدولة.
الفلاحون يدفعون الثمن
وفي يوم ممطر جادت به السماء بخيراتها، تنقلنا إلى سهل الهبرة بالمحمدية في ولاية معسكر، للقاء مجموعة من الفلاحين النشطين في مجال إنتاج الحمضيات، حيث وقفنا على تأثر حقول البرتقال نتيجة الجفاف ونقص مياه السقي التي لم يعد يوفرها سد فرقوق، بعد توحله وتقلص طاقته الاستيعابية إلى 200 ألف متر مكعب، مقارنة بطاقته النظرية المقدرة ب 17 مليون متر مكعب، رغم استفادته من عدة عمليات لإزالة الأوحال.
وقد رافقنا السيد “محمد بوخاري” رئيس شعبة إنتاج الحمضيات إلى محيط السد، الذي عرف في السنوات الأخيرة أشغال استخراج قرابة مليوني متر مكعب من الأوحال، ضمن مشروع يهدف إلى رفع طاقته الاستيعابية، حيث أبدى تخوفه من عودة الطمي المستخرج إلى حوض السد، ما لم يتم إبعاده واستثماره صناعيا ضمن إطار الاقتصاد التدويري .
” أملاك الدولة تمسك بالمفتاح القانوني”
وللوقوف على هذه النقطة، تنقلنا إلى مقر مديرية أملاك الدولة لولاية معسكر، حيث تبين من خلال قراءة النصوص القانونية “أن كل ما يستخرج من باطن الأرض ويبعد عن حوض السد، يعتبر ملكا للدولة، وبالتالي فإن التصرف فيه يعد حصرا لمديرية الأملاك الوطنية”.
وأكدت مصادر من داخل المديرية، أنه يمكن استغلال طمي السدود من خلال رخصة استثنائية تمنح من قبل الوالي أو المديرية العامة للأملاك الوطنية، في حالة عدم وجود متنافسين، مع إمكانية اللجوء إلى البيع بالمزايدة عند تعدد المتقدمين.
وأضافت المصادر، أنه لم تسجل أي طلبات استغلال للطمي على مستوى الولاية، ما يجعل أي معالجة مستقبلية لهذه الملفات مرتبطة إجباريا باستشارة من المديرية العامة للأملاك الوطنية.
وبين قناعة علمية راسخة تؤكد جودة الطمي وقدرته على دعم الصناعات، ورغبة مصانع عديدة في استغلاله، وموافقة مصالح مديرية البيئة والري على تثمينه، سيبقى استغلال هذا المورد البيئي معلقا في غياب سند قانوني، إذ يمكن لقرار إداري واحد أن يحول أطنانا من الطمي المهدورة إلى ثروة وطنية ترفع من القدرة الاستيعابية للسدود، وتنعش الفلاحة والصناعة وتخفف الضغط على البيئة. وفي غياب هذا القرار، تبقى مشاريع التدوير حبيسة الأدراج وستظل السدود تخنقها الأوحال.