ثورة تستحقّ أن تكون مفخرة للأجيال
ها نحن في بلدنا الحبيب نحيي الذّكرى الثامنة والستين لثورة نوفمبر المظفّرة التي تستحقّ -بحقّ- أن تكون مفخرة لأجيال هذا البلد، ملهمة للأحرار في العالم كلّه.. نعم، شبابنا أحوج إلى ما يصلح واقعهم ويعيد إليهم الأمل في مستقبلهم، وأكثر توقا إلى بلد يرفعون رؤوسهم بحاضره كما يرفعون رؤوسهم بتاريخه وثورته، وهذا حقّ لا يملك أحد من النّاس أن يلهيهم عنه.. لكن لا ينبغي لشبابنا أبدا أن يظنّوا بأنّ الحديث عن ثورة نوفمبر يقصد به دائما التغطية على الحاضر والإلهاء عن المستقبل.. كلا، فثورة نوفمبر هي الأساس والنّموذج لبناء البلد القويّ الذي يحافظ على هويته ويبني حاضره وتكون له كلمة مسموعة في عالم لا يحترم من يتخلّى عن هويته ولا من يفقد الثقة بنفسه.
آباؤنا المجاهدون الأشاوس اعتصموا بالله وتوكلّوا عليه، نحسبهم كذلك، وتحدّوا كلّ الظّروف التي لم تكن في صالحهم، ووقفوا في وجه أعتى قوة صليبية وقتها، ولم تشغلهم ضراوة المعركة والمؤامرات التي تحاك للثورة عن التفكير في الأساس الذي تبنى عليه جزائر ما بعد الاستقلال.. ونحن في زماننا هذا أحوج ما نكون إلى الاعتصام بالله والاستعانة به لمواصلة المسيرة، للوقوف في وجه المستعمر القديم الذي لا يزال يحيك لهذا البلد المؤامرات ويسعى جاهدا ليستأثر بخيراته ويرهن اقتصاده، بل والأنكى من ذلك أنّه يسعى ليصنع لبلدنا المسلم هوية أخرى غير الهوية التي انطلق منها المجاهدون واستشهد لأجلها الشّهداء.
ثورة نوفمبر كانت ثورة إسلامية الرّوح والكلمة والوجهة؛ “فنشيدها الله أكبر، وكلمة سرها عقبة وطارق، وحملة سلاحها هم المجاهدون، وقتلاها هم الشهداء، وقادتها هم حملة القرآن الكريم”، وإن نسينا فلن ننسى أبدا أنّ بيان أوّل نوفمبر ينصّ في مادته الأولى على أنّ الهدف من الثّورة هو “إقامة الدولة الجزائرية الديمقراطية الاجتماعية ذات السيادة، ضمن إطار المبادئ الإسلامية”، فالمبادئ الإسلامية، وبينها مبدأ ((وقل اعملوا)) هي التي يجب أن تكون حاكمة لهذا البلد الذي ضحّى لأجله المجاهدون واستشهد الشهداء.
الحرب الفرنسية على الجزائر لم تكن حربا لأجل الأرض وما تحتها من موارد وثروات طبيعية فقط، إنّما كانت في أساسها حربا على هوية الجزائريين ودينهم ومقوماتهم؛ فكان طبيعيا أن تكون ثورة التحرير جهادا إسلاميا يقف فيه الهلال في وجه الصليب، وقد اعترف بهذه الحقيقة وزير خارجية فرنسا آنذاك “جورج بيدو” حينما قال: “إنها معركة الهلال والصليب، ولا بد أن ينتصر الصليب”، صدق في وصف المعركة، لكنّه خاب في توقّع نتيجتها، كما خاب وزير المستعمرات الفرنسية روبرت لاكوست، حينما قال بكلّ حسرة: “وماذا أصنع إذا كان القرآن أقوى من فرنسا؟”.
إسلامية ثورة التحرير حقيقة ينبغي أن نفخر بها، ونرفع بها رؤوسنا ونرويها للأجيال، حتى تعرف أنّ هذا البلد لا يصلح ولا يقبل ولا تستقيم حاله إذا أراد أن يحيد عن مبادئ نوفمبر.
يجب أن نتكلّم باسم هويتنا وندافع عنها برؤوس مرفوعة أمام هذا العالم الذي يجعل على رأس أولوياته سلخ الأمّة المسلمة من هويتها، ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، وننكر كلّ محاولة لمسخ هويتنا، يتولّى كبرها العلمانيون المندسّون، ونقف بالمرصاد لدعاة العلمانية الذين يضغطون مستعينين بالعدوّ المحتلّ.. فرنسا خرجت مدحورة مهزومة من أرضنا، لكنّها لا تزال تكيد لنا وتمكر بأمتنا.. فرنسا هي الطّاعون والطّاعون هو فرنسا.. هي رأس البلاء والبلاء هي، وكلّ عثرة وكلّ كبوة وكلّ انحراف وحَيدة عن عهد المجاهدين والشّهداء، فإنّنا لو بحثنا لوجدنا أنّ من ورائه فرنسا وعملاءها.. بلدنا بلد له تاريخه المشرق، ومن حقّنا بل من واجبنا أن يكون لنا موطئ قدم واضح ليس في القارة الأفريقية فقط، ولكن في العالم أجمع، ولا ينبغي أبدا أن نسمح لفرنسا بأن تقف حجر عثرة في طريقنا.
الجزائر بلدنا الحبيب، وواجب علينا أن نغار عليه ونسعى لبنائه ونحلم بأن يكون بلدا قويا بدينه وهويته أولا ثمّ بجيشه واقتصاده ومنظومته التعليمية ثانيا.. إنّنا سنخسر الكثير وسنرجع خطوات إلى الوراء إن نحن تخلّينا عن شيء من مقومات هويتنا.. سنخسر الكثير إن نحن أصغينا لأولئك الذين يبغونها عوجا؛ أولئك الذين يريدون الجزائر البلد المسلم نسخة أخرى من فرنسا العلمانية المتسامحة مع الأديان كلّها إلا الإسلام، والمتفتّحة على اللّغات كلّها سوى العربية.. يجب أن نحفظ جيّدا مقولة الإمام ابن باديس رحمه الله: “الجزائر ليست فرنسا، ولا يمكن أن تكون فرنسا، فهي بعيدة عنها كل البعد في لغتها وأخلاقها وفي عنصرها ودينها”.
مؤسف جدا أن تكون الهجرة إلى فرنسا أمنية لبعض شبابنا، ومؤسف جدا أن تكون اللكنة الفرنسية مفخرة لبعض المسؤولين وأدعياء الثقافة عندنا.. اللغة وسيلة، واليابانيون غزوا العالم بلغتهم التي حافظوا عليها رغم صعوبة كتابتها وأبوا أن ينطقوا بغيرها، وهكذا الصينيون.. اللغة عنوان هوية ولا يصح التنازل عن العناوين في زمن صراع الحضارات.
ثورة نوفمبر تستحقّ أن نحتفي بها، ليس بالحفلات والمهرجانات، ولكن بمراجعة واقعنا مع عهد المجاهدين والشّهداء، بعرض واقعنا على بيان أوّل نوفمبر، أين نحن منه؟ وأين هو منّا؟