-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

ثورة ليبيا، بين الحرب وسيناريو الحرب

عابد شارف
  • 4638
  • 0
ثورة ليبيا، بين الحرب وسيناريو الحرب

أعطت أحداث ليبيا صورة رائعة للثورة. فقد كانت الثورة الليبية نموذجا للتضحية والإيمان بالحق ونصرة المظلوم. وشاهدنا خلال هذه الملحمة شبابا عصريا يلبس “الجين” ويحمل الكلاشينكوف، يتحكم في التكنولوجيا ويؤمن بالحرية، شاهدناه في مواجهة جيش من المرتزقة والمجرمين الذين يشكلون العمود الفقري لنظام معمر القذافي. واستطاع أنصار الحرية أن يهزموا “كتائب القذافي” ويضعوا حدا لنظام بدائي كان قد وضع ليبيا في السجن طيلة أربعة عقود.

  • وبينما كان الثوار والمجلس الانتقالي يتكلمون عن الحرية وحقوق الإنسان وإقامة مؤسسات دستورية، بقي القذافي يتكلم عن كتابه الأخضر وجماهيريته الغريبة… وبينما كان الشباب الثائر يتكلم عن المستقبل ويعبر عن تعطشه للحرية، كان القذافي يتكلم عن ثورته الفاشلة ويهدد المعارضين أن يقضي عليهم جميعا، وأن يطاردهم في كل شارع وفي كل بيت، أن يبحث عنهم “زنڤة زنڤة” ليقضي عليهم…
  • وانتصر الحق على الباطل… انتصرت الحياة على الموت… انتصرت الحرية على الجلادين… انتصر المستقبل الزاهر على الماضي المظلم… ورغم أن القذافي قد كدس الأسلحة منذ سنوات طويلة، إلا أنها لم تنفعه في مواجهة ثورة شعبية جاءت من أعماق الشعب. وما قيمة الأسلحة أمام إرادة الشعب التي لا تقهر؟
  • وتحوّلت المعركة السياسية إلى فيلم من إنتاج أحد أكبر المخرجين في هوليوود. وكان السيناريو من أجمل ما يمكن أن نتخيل، حيث الحق فيه يواجه الباطل، والجهل يواجه العلم، والمستقبل يواجه الماضي، والنور يتحدى الظلمات. ويحمل السيناريو كل الملامح التي تضمن نجاح الفيلم، بأبطاله وأشراره، والمواقع الدرامية التي تنتهي بأجمل طريقة لما يسقط الشرير في قبضة البطل. وفعلا سقط القذافي وانتصر أهل الخير…
  • هذه هي الصورة المثالية التي ظهرت فيها الثورة الليبية لحد الآن. لكنها مجرد صورة. أما الواقع، فإنه يختلف، حيث أنه يحمل معطيات كثيرة، سنركز منها على أهمية الدور الأمريكي في الثورات العربية مع تغيير الإستراتيجية الأمريكية في التعامل مع العالم العربي. والكل يعرف مثلا أن الثوار الليبيين ليس لهم أي وزن عسكري، وأن القوة العسكرية التي أطاحت بالقذافي هي قوة الولايات المتحدة من خلال الحلف الأطلسي. وحتى فرنسا وبريطانيا اللتان كانتا تتزعمان الحرب على ليبيا، فإن دورها يبقى ثانويا أمام القوة الضاربة الأمريكية والتجهيزات التي وضعتها تحت تصرف التحالف المعادي للنظام الليبي السابق.
  • ويؤكد هذا التصرف الأمريكي تغييرا جذريا مقارنة بتجارب الماضي، لما كان الجيش الأمريكي يقصف ويحتل البلاد قبل أن يجد نفسه في مأزق، مثلما حدث في العراق وأفغانستان، حيث جاء الاحتلال قبل أن تكتشف أمريكا أن طائراتها ودبابتها ليست كافية لإقامة نظام صديق ولا لحفظ الأمن، مما يفرض عليها الانسحاب في ظروف صعبة. وفي عهد الرئيس بوش وريغان وغيرهما، كانت هذه الطريقة هي المفضلة عند أمريكا، وقد تم استعمالها في العديد من مناطق العالم.
  • وقد تخلصت أمريكا من رموز ذلك العهد وتلك الطريقة، فوضعت ديك شيني ودونالد رامسفلد في المتحف، وسلكت طريقا جديدا منذ وصول باراك أوباما إلى السلطة. وترتكز الإستراتيجية الجديدة على ثلاثة نقاط أساسية تسمح بتغيير الأنظمة الغير مرغوب فيها دون إراقة الدماء الأمريكية ولا تدخل مباشر.
  • وتبدأ هذه الإستراتيجية بظهور انتفاضة داخلية في بلد مثلما حدث في مصر وتونس وليبيا وغيرها. وانطلاقا من هنا، تتواصل العملية الأمريكية لكن دون أن يظهر ذلك علنا، لأن أمريكا فهمت أن الرأي العام العربي يعادي أمريكا، سواء كان ذلك على حق أم لا. ويعتبر الشارع العربي أن كل ما يأتي من أمريكا مشكوك فيه، فاختارت أمريكا أن تتعامل مع الوضع دون أن تظهر في الواجهة. وإذا اضطرت إلى تدخل أجنبي، فإنها تضع في الواجهة دولا أخرى مثل فرنسا وبريطانيا وحتى القوة العظمى العربية الجديدة قطر، لأن هذه الصيغة تكون مقبولة أكثر من الرأي العام العربي.
  • وترافق العملية حملة إعلامية كبرى تقودها أجهزة إعلام عربية لا غربية مثلما كان الحال في الماضي. وكانت أمريكا في السابق تتكفل فقط بالرأي العام الأمريكي والغربي بصفة عامة، لكنها كانت تتجاهل الرأي العام العربي. لكن أمريكا اقتنعت في السنوات الأخيرة أنه من الأفضل كسب الرأي العام العربي، واستطاعت القنوات التلفزيونية العربية وعلى رأسها “الجزيرة” أن تقوم بهذا الدور إلى أن بالغت في ذلك، وأصبح الصحافيون مثلا يتعاملون مع الأحداث وكأنهم يشاركون بصفة مباشرة في صنع الثورات إن لم يكونوا المخططين لها… في انتظار أن نعرف من سيكون المستفيد الحقيقي من هذه الثورات، مع العلم أن التخلص من بعض الأنظمة يشكل تقدما كبيرا بالنسبة للعديد من البلدان العربية.
أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!