ثورة نوفمبر.. ذاكرة تتحدى التضليل في زمن الذكاء الاصطناعي
إن الزمن يتغير، والتاريخ تتقلب صفحاته في تسارع رهيب، والتطورات المذهلة للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، تحدث ما لا يتوقعه البشر أحيانا، وقد تتعرض تواريخ الثورات لشعوب لطالما كانت رمزا من رموز الكفاح والصمود ضد الاستعمار الغاشم، إلى التضليل أو النسيان من طرف أجيال صاعدة.. ثورة نوفمبر المجيدة، قصة أكثر من مليون ونصف مليون شهيد، وحكاية شعوب لا تقهر ولا تمل التضحيات من أجل الوطن، فقراءتها لجيل بعد جيل في ظل المستجدات الحادثة عبر العالم، تحتاج إلى كثير من التحديات، أولها التحفيز على قراءة التاريخ، واستغلال أمهر التقنيات والآليات لتعليمه في المدارس للتلاميذ.
دومير: صناعة المحتوى التاريخي رحلة ممتعة ومليئة بالتحديات
إن القدرة على التفكر والتمعن والتقدير للحدث المؤرخ له، وتوصيل المعنى في قلب الشباب اليوم، يحتاج إلى حرفية كاتب وناقل التاريخ، خاصة أننا في عصر الذكاء الاصطناعي، والانفتاح الواسع على العالم، فما كان بالأمس ثورة في التطور يصبح اليوم شيئا عاديا، وذلك ينطبق أيضا على الثورات المقاومة للاستعمار والمدافعة عن الأوطان، فقد ينساها جيل أخذ منه العالم الافتراضي جزءا من حياته.
وفي سياق الموضوع، قال الدكتور علال بيتور، أستاذ تاريخ الجزائر المعاصر بجامعة الجزائر 2، إن الشباب هم وقود الحياة في الحاضر والمستقبل، وإن إبقاء تاريخ الثورة والمقاومة الجزائرية في قلوبهم وفي وجدانهم، يستدعي التغيير في طريقة تدريس هذا التاريخ في المؤسسات التربوية.
ويرى أن المدرسة الجزائرية تواجه تحديا كبيرا، لأنها أمام مسؤولية “تحبيب” التاريخ للتلاميذ، وإبقاء الاهتمام والانجذاب إليه، رغم كل التغيرات الواقعة والتطورات السريعة في مجال الرقميات والتكنولوجيا، موضحا أن كل الأجيال الجزائرية تمر على التعليم المتوسط والثانوي، ومعناه أنها تدرس التاريخ وأحداث ثورة نوفمبر، ولكن لا يتوقف الأمر بحسبه، عند تحصيل النقاط عن مادة التاريخ دون الترسيخ الجيد لإحداثه في اهتمامات الشباب ووجدانهم.
وأكد الدكتور علال بيتور، أن المطلوب اليوم هو وضع مناهج تعليمية جيدة ومقبولة يمكن أن تحقق على الأقل نسبة 50 بالمائة من اهتمام وقبول التلاميذ لمادة التاريخ، والاستمرار في تداول قيمة وقداسية الثورة النوفمبرية بين الأجيال.
المؤرخ بيتور: إبقاء الثورة في قلوب الشباب يحتاج إلى مناهج تعليمية ذكية
وفي ما يخص التقنيات الحديثة، قال ذات المتحدث، إن على وزارة التربية أن تعتمد تقنيات حديثة في التعليم، والاستغناء عن بعض الطرق التقليدية، فمثلا الاستعانة بأفلام وفيديوهات قصيرة، ودمج بعض الأحداث باستغلال التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، للحصول على حد أكبر من التأثير والترسيخ لدى التلاميذ، لاسيما ما يتعلق بأحداث ثورة نوفمبر 1954.
حلول مبتكرة للحفاظ على التاريخ في عصر الذكاء الاصطناعي
ومن جهته، أكد رئيس منتدى شباب الذاكرة الوطنية وصانع محتوى، الدكتور محمد دومير، في تصريح لـ”الشروق”، أن التوازن هو مفتاح النجاح في العصر المتسارع، قائلا: “يجب أن ندرك أن للمحتوى الرقمي دوره وأهميته، وأن الذكاء الاصطناعي هو أداة قوية يمكننا استخدامها لإحداث تغيير إيجابي في مجتمعنا الجزائري، وليس ليحل محلنا أو يقضي على إبداعنا”.
وأفاد الدكتور دومير، بأن صناعة المحتوى التاريخي، رحلة ممتعة ومليئة بالتحديات، و”نحن ما زلنا نتعلم كيف نحقق التوازن الأمثل بين الإبداع والتكنولوجيا، ونوظف كلا منهما لخدمة وطننا الجزائر وتحقيق طموحاتنا”.
ويرى أن المشكلات والتحديات التي نواجهها اليوم تستدعي حلولًا مبتكرة وشاملة للحفاظ على تاريخنا وهويتنا، كما يجب علينا، بحسبه، تعزيز الوعي الإعلامي لدى الجمهور، وتشجيعهم على استهلاك المحتوى بشكل واعٍ ونقدي، والتحقق من مصادر المعلومات قبل تصديقها أو مشاركتها.
وقال إن الحفاظ على قداسية ثورة نوفمبر وتوريثها لجيل بعد جيل، يتطلب تعزيز التعاون بين وسائل الإعلام التقليدية والمنصات الرقمية، للاستفادة من نقاط قوة كل منهما، وتحقيق التوازن بين عمق التحليل وسرعة التفاعل، بما يخدم تطلعاتنا كجزائريين نحو مستقبل أفضل.
وبحسب الدكتور دومير، صانع محتوى تاريخي، فإن منصات التواصل الاجتماعي والبودكاست، أتاحت مساحة أرحب للتعبير عن الرأي، ومنحت الناس شعورا بأن أصواتهم مسموعة ومؤثرة، وأصبح بإمكان كل فرد أن يشارك أفكاره وتجاربه مع العالم بلمسة زر، وهذا بحد ذاته تطور إيجابي يستحق التقدير. وأكد دومير، أن الانفتاح الإعلامي خلق نوعا من الفوضى الإبداعية، حيث أصبح من الصعب أحيانًا التمييز بين الغث والسمين، والعثور على محتوى ذي قيمة وسط هذا الكم الهائل من المعلومات، وهنا يكمل الخوف عن الحقائق التاريخية، وتأثير ذلك على أفكار الشباب، داعيا الإعلام التقليدي والقطاع التربوي إلى لعب دور أساسي في مواجهة عصر الإعلام الجديد، المفتوح للجميع، إذ يرى أن ذلك أتاح فرصًا أكبر للإبداع والتجديد، ولكنه زاد أيضًا من مسؤولية المتلقين في التحقق من صحة المعلومات ومصداقية المصادر.
تزاوج الإعلام التقليدي مع الجديدة فرصة لتدريس التاريخ
وفي ذات السياق، أكد خبير المعلوماتية، البروفسور يونس قرار، لـ”الشروق”، أن الإعلام الجديد والذكاء الاصطناعي، فرصة مهمة لإعداد المحتوى التاريخي، وعرض أحداث جوانب كثيرة من الثورة والمقاومة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي، موضحا أن الإذاعة والتلفزيون العمومي وكل الوسائل التقليدية باتت تستعين بالتقنيات الجديدة والوسائط الإلكترونية، وتمزج بين السمعي والبصري والمكتوب، وكل ذلك يمكن أن يستفاد منه في الترسيخ والتذكير بتاريخ الجزائر، والكشف بالصور والصوت والكتابة وعبر فيديوهات عن شهادات حية ومعلومات جديدة حول ثورة التحرير الوطني.
وقال إن علينا اليوم، أن نعرف كيف يمكن استعمال الذكاء الاصطناعي لإعداد محتويات تاريخية والتحضير للتحديات الجديدة، وكيف نثبت وجودنا، كما على الشباب والمؤرخين أن يواصلوا الاجتهاد في نشاطاتهم الخاصة بالمحتويات التاريخية.
وأكد قرار أن الذكاء الاصطناعي يساعد الشباب الجزائري في تطوير منصات إلكترونية في مجالات مختلفة، أهمها الحديث عن الثورة الجزائرية وتجريم الاستعمار، وخاصة أن الوسائط الجديدة تساهم في اختصار الوقت، وخرق المسافات والوصول إلى أبعد نقاط من العالم.